خلّف تفجير مسجد في مدينة حمص السورية، أزمة تهدد الاستقرار السوري، رغم أن دمشق كتنت على مشارف مرحلة جديدة، بعد رفع العقوبات الدولية، إلا أن عودة نشاط التنظيمات المسلحة، وعلى رأسهاداعش، كشف عن عمق الأزمة، التي قد تهدد مساعي الدولة، لاستعادة توازنها إقليميًا ودوليًا.
هذا التصعيد يضع الحكومة السورية الجديدة، والتحالف الدولي أمام اختبار صعب، ويطرح تساؤلات جدية حول خريطة انتشار خلايا التنظيم، وقدرته على إعادة تنظيم صفوفه وتهديد الاستقرار الهش في سوريا والمنطقة بأسرها. عودة نشاط التنظيم وأماكن انتشاره، بعد سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد، يمثل أحد أبرز تحديات الحكومة الجديدة التي انضمت إلى التحالف الدولي لمحاربة التنظيم.
علاقة داعش بسقوط بشار
ووفقا لتقارير، منذ أن طرد التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، تنظيم “داعش”، من آخر معاقله في الباغوز شرقي سوريا في عام 2019، تراجعت أنشطة التنظيم بشكل كبير، وأصبح عاجزاً عن السيطرة على أي أراض، بعد أن كان في ذروة قوته في الفترة بين عامي 2014 و2015، إذ كان يبسط سيطرته على مساحات شاسعة من الأراضي في العراق وسوريا.
وانحصرت مهمة التحالف الدولي منذ ذلك الوقت، في منع عودة التنظيم من خلال اعتقال الآلاف من مسلحيه، والحفاظ على وجود أميركي في شمال شرق سوريا والتنف. وبعد سقوط نظام الأسد وانهيار الجيش السوري في 8 ديسمبر 2024، حذّرت حكومات ومنظمات دولية عديدة، من أن يستغل تنظيم “داعش” الفراغ الأمني في سوريا لإعادة نشاطه المسلح.
وأشار وكيل الأمين العام لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، فلاديمير فورونكوف، إلى أن منطقة البادية السورية، لا تزال تستخدم كمركز للتخطيط العملياتي الخارجي لـ”داعش”، ومنطقة حيوية لأنشطته. ونبه إلى أن عدم الاستقرار، يؤثر على مراكز الاحتجاز وغيرها من المرافق الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد” بشمال شرقي البلاد، لافتاً آنذاك إلى وجود 42 ألف فرد، لهم صلات بتنظيم “داعش”، لا يزالون محتجزين، بما يشمل 17 ألف عراقي، و16 ألفاً و200 سوري، فضلاً عن 8 آلاف و600 شخص من بلدان أخرى.
صعوبات دمج الجماعات في الجيش السوري
ولعبت “قسد” التي تُشكل الوحدات الكردية عمودها الفقري، دوراً حاسماً في الحرب ضد “داعش”، ولا تزال حتى الآن تتلقى دعماً من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، حيث تقوم بدوريات وتدريبات وعمليات مشتركة مع القوات الأمنية. وتتولى هذه القوات، إدارة سجون تضم 9 آلاف من مسلحي “داعش”، إضافة إلى 38 ألف امرأة وطفل في مخيمَي الهول وروج شمال شرقي سوريا. حسب وكالات.
في 29 يوليو من العام الجاري، أصدر فريق الدعم التحليلي ورصد العقوبات التابع لمجلس الأمن الدولي، تقريره الأخير الذي يُفصّل أنشطة “الجماعات الإرهابية” حول العالم. وتناول القسم الخاص بسوريا، آخر التطورات المتعلقة بعودة تنظيم “داعش”، بالإضافة إلى صعوبات دمج مختلف الجماعات في الجيش السوري.
وأوضح التقرير كيف استغل “داعش” الفوضى التي أعقبت سقوط نظام الأسد، و”استولى على مخزونات من الأسلحة الثقيلة كانت بحوزة الحكومة السابقة”. كما فرّ المئات من عناصره خارج السجون. وكانت آخر حالات الفرار، في مارس الماضي، عندما هرب 70 معتقلاً من سجن في حلب.
داعش يعيد تنشيط مقاتليه في سوريا والعراق
وتتركز خلايا “داعش” بشكل أساسي في البادية التي تقع في وسط وشرق البلاد وجزء من الشمال، مع وجود أقل قرب دمشق وريف حلب وحمص والمناطق الجنوبية. وبحسب التقرير، سعى التنظيم أيضاً إلى إثارة التوترات الطائفية، وشنّ حملات متعددة اللغات لتشويه سمعة الرئيس السوري أحمد الشرع، وجنّد بعض المقاتلين الساخطين، من بينهم أجانب، وجنوداً سابقين في نظام الأسد”.
في يونيو الماضي، نقلت وكالة “رويترز”، عن مسؤولين أمنيين وسياسيين من سوريا والعراق والولايات المتحدة وأوروبا، بالإضافة إلى دبلوماسيين في منطقة الشرق الأوسط، قولهم إن التنظيم بدأ بالفعل في إعادة تنشيط مقاتليه في سوريا والعراق، وذلك من خلال تحديد الأهداف، وتوزيع الأسلحة وكواتم الصوت والمتفجرات، وتكثيف جهود التجنيد والدعاية.
وفي الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري، أعلن التنظيم مسؤوليته عن 38 هجوماً في سوريا، وفق بيانات مجموعة “سايت” للاستخبارات SITE Intelligence Group، التي ترصد أنشطة المسلحين على الإنترنت. وفي الأشهر الأخيرة كثّف “داعش” من عملياته في عدد من المناطق السورية، وفي يونيو اتهمت السلطات السورية التنظيم بالمسؤولية عن الهجوم الانتحاري الذي استهدف كنيسة “مار إلياس” في العاصمة دمشق، والذي راح ضحيته عشرات المصلين.
وتشن القوات الأمنية السورية حملات بشكل مستمر ضد خلايا التنظيم في عدد من المناطق، كما بدأت تنفّذ مهام مشتركة مع القوات الأميركية، لا سيما بعد الانضمام رسمياً إلى التحالف الدولي.
كيف يستغل التنظيم التقارب بين دمشق وواشنطن؟
في المقابل، قالت القيادة المركزية الأميركية CENTCOM، إنها قدّمت المشورة والمساعدة والدعم لأكثر من 22 عملية ضد تنظيم “داعش” بالتعاون مع شركائها في سوريا خلال الشهر الماضي، مما أدى إلى إضعاف قدرة التنظيم على شن عمليات محلية وتصدير العنف إلى أنحاء العالم. وحث الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية الوسطى، في سبتمبر الماضي، أعضاء التحالف على مضاعفة جهودهم لمنع التنظيم من الظهور مجدداً، وذلك بتسريع عودة المحتجزين والنازحين في شمال شرق سوريا إلى بلدانهم الأصلية.
يأتي تصعيد هجمات “داعش”، في مرحلة صعبة تسعى فيها الإدارة السورية إلى توحيد البلاد، وضبط السلاح، والتوصل إلى تسويات مع الفصائل الطائفية المتنوعة، بعد 14 عاماً من الصراع المسلح الذي مزّق سوريا. ويسعى التنظيم إلى استغلال التقارب بين دمشق وواشنطن، واللقاءات بين الرئيسين السوري أحمد الشرع والأميركي دونالد ترمب، ومسار التفاوض مع إسرائيل، للتحريض ضد الإدارة السورية الجديدة، إلى جانب محاولة استقطاب المقاتلين الأجانب الذين يشعرون بالقلق بشأن مستقبلهم في البلاد.
ودأب “داعش” عبر صحيفة “النبأ” الإلكترونية التابعة له، على مهاجمة الشرع وإدارته والتحريض ضدهما، ففي عدد ديسمبر الجاري، اعترف التنظيم بتنفيذ 15 عملية في عدة مناطق بالتزامن مع احتفالات الذكرى السنوية الأولى لسقوط نظام الأسد، والتي أصبحت مناسبة وعطلة رسمية في البلاد، وشهدت احتفالات كبيرة في مختلف المحافظات السورية.
نزع فتيل خطر الهروب الجماعي
ويرى مراقبون، أن انسحاب الولايات المتحدة من سوريا بدوره سلسلة من المشاكل الأمنية الأخرى. من ناحية، سيمنح ذلك “داعش” منصة للعودة إلى السلطة المحلية، ليس بالضرورة إلى المستوى ذاته الذي كان عليه بين عامَي 2013-2017، ولكن إلى مستوى يسمح له بلا شك تجديد قواته، والاستيلاء على أجزاء من الأراضي في سوريا (متجاوزاً نشاطه الحالي في “حوكمة الظل”، وإعادة بناء عملياته في العراق.
وبالتالي تقويض النجاحات التي تحققت في مكافحة الإرهاب خلال السنوات الخمس الماضية. وقد تتعزز جزئياً إعادة بروز التنظيم بفضل العدد الكبير لمعتقليه في شمال شرق سوريا، الذين لم تتم إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية بالسرعة الكافية لنزع فتيل خطر الهروب الجماعي وعمليات الفرار. بالإضافة إلى ذلك، من المرجح أن يدفع غياب القوات الأمريكية إلى تسريع حملتها ضد الشريك المحلي الرئيسي لواشنطن على الأرض، أي “قوات سوريا الديمقراطية” التي يقودها الأكراد، والتي ستضطر إلى تحويل المزيد من مواردها بعيداً عن مهمة مكافحة “داعش”.






