تشير حصيلة الخسائر البشرية في صفوف جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ اندلاع حرب غزة إلى واقع يثقل كاهل المؤسسة العسكرية ويكشف عن ثغرات ميدانية وتحديات معنوية متصاعدة. فالأرقام التي يعلنها الجيش تكشف عن مقتل 899 جندياً وضابطاً، بينهم ما يقارب النصف خلال العملية البرية في غزة، إضافة إلى آلاف الجرحى، منهم مئات في حالات خطيرة. هذه الخسائر ليست مجرد أعداد، بل هي مؤشرات على حجم الاستنزاف الذي تتعرض له القوات في معركة طال أمدها، وفقدت عنصر المفاجأة والإنجاز السريع الذي طالما راهنت عليه القيادة الإسرائيلية.
نيران صديقة
الأخطر في هذه الحصيلة هو أن 78 من القتلى سقطوا جراء “النيران الصديقة” والحوادث العملياتية، أي أن الجيش يدفع ثمناً باهظاً حتى خارج سياق المواجهة المباشرة مع المقاومة. هذا يكشف عن خلل في التنسيق الميداني وارتباك في إدارة العمليات، ويضاعف من حالة القلق داخل صفوف الجنود الذين يجدون أنفسهم مهددين حتى من رفاقهم ومن أخطاء ميدانية متكررة. ومثل هذه الحوادث عادة ما تكون أكثر إيلاماً على الروح المعنوية من الخسائر المباشرة، إذ ترسخ الشعور بعدم الكفاءة وتضعف الثقة بالقيادة.
تتجلى انعكاسات هذه الأرقام في تراجع الروح القتالية وإثارة أسئلة عميقة داخل المجتمع الإسرائيلي حول جدوى الاستمرار في الحرب، خصوصاً مع طول أمدها وغياب أفق حاسم. الجنود في الميدان يعيشون ضغطاً مضاعفاً بين مواجهة مقاومة شرسة تعرف جغرافية الأرض وتبتكر تكتيكات استنزاف، وبين الإحساس بانعدام الأمان حتى داخل وحداتهم. كما أن إعلان مقتل ضباط شباب مثل النقيب أوري جارليتز يعكس استنزاف الكوادر القيادية الميدانية، ما يترك فراغاً عملياتياً يصعب تعويضه بسرعة.
دمار معنويات الجنود
هذه المعطيات تضع الجيش في مواجهة أزمة نفسية ومعنوية لا تقل خطورة عن الخسائر المادية. فكل جنازة عسكرية جديدة، وكل تقرير عن إصابة خطيرة، يتحول إلى عامل ضغط على الجنود وعائلاتهم، ويغذي حالة التململ الشعبي التي بدأت تظهر في الشارع الإسرائيلي ضد استمرار الحرب. وفي المحصلة، فإن تراكم الخسائر يضع القيادة أمام معادلة صعبة: إما الاستمرار في حرب استنزاف تكلفها المزيد من الضحايا وتهز ثقة جنودها، أو البحث عن تسوية سياسية تحافظ على ما تبقى من صورة الردع التي تتآكل يوماً بعد يوم.






