أنهكت الحرب الإسرائيلية قطاع غزة، وأصبح السكان يعيشون وسط حالة من عدم الاستقرار في مختلف المستويات المعيشية والسياسية، ولم يعد النزوح مجرد انتقال قسري من مكان إلى آخر، بل تحول إلى تجربة قاسية تُجرد الإنسان من أدق تفاصيل حياته، وعلى رأسها حقه في الخصوصية.
داخل خيام مهترئة لا تحجب صوتًا ولا تستر حركة، يعيش آلاف النازحين واقعًا مفتوحًا على العلن، حيث تختفي الجدران وتذوب المسافات بين الأسر، لتصبح الحياة اليومية بكل ما فيها من مشاعر وأحاديث وتفاصيل مكشوفة أمام الجميع. وبين ضجيج المخيمات وضيق المساحات، تتفاقم المعاناة النفسية والاجتماعية.
أم رائد: النفس محسوب علينا داخل الخيمة
“أصعب شيء في الخيمة فقدنا للستر، الكلام بنهمس فيه همس عشان الجيران ما يسمعوا.. كنا ببيوتنا ملوك خلف أبواب مسكّرة، اليوم الكل بيعرف شو طبخنا وشو حكينا، وحتى لو اختلفنا المخيم كله بصير عنده خبر، مفيش خصوصية ولا في راحة.. الخيمة عبارة عن شادر نايلون، لا بيمنع صوت ولا بيستر حركة، حتى النفس محسوب علينا داخل الخيمة”. حسب رواية أم رائد أبو طيور، نازحة في مخيمات مواصي خانيونس، لوكالة صفا.
“الوجع مش بس في قلة الأكل، الوجع إنك فقدت هيبتك، مفيش حيطان تستر أوجاعنا، القماش ما بمنع شيء ولا بيستر حال، والخصوصية صارت حلم.. حتى لما نختلف أو بدنا نربي أولادنا بنضطر نسكت عشان ما نفضح حالنا قدام الناس، الضغط النفسي كبير، ومفيش زاوية في الخيمة تقدر تقول عنها إنها ملكي أو مساحتي الخاصة.. صرنا بنعيش حياتنا بالعلن غصب عنا، وهذا أصعب شيء بيمر على الرجل وعيلته”. حسب النازح شاكر أبو فول.
سمر عودة: كل حركة محسوبة
أما سمر عودة قالت “شعور مؤلم وصعب إنك تعيش حياتك كلها قدّام الناس، حتى اللحظات اللي المفروض تكون خاصة بينك وبين عائلتك صارت مكشوفة.. فقدت قدرتي أكون لحالي ولو لدقائق، كنت قبل الحرب أقعد في غرفتي أرتّب أفكاري، أقرأ، اليوم ما في مساحة تسمحلك تفكر، كل شيء حوالينا ضجة وحركة وصوت.. الإنسان بطبيعته بحاجة لمساحة شخصية، بس زاوية صغيرة يشعر فيها إنه ملك نفسه، بالخيمة هذا الإحساس اختفى، كل حركة محسوبة، وكل كلمة ممكن توصل للجيران بدون قصد”. حسب وكالة شهاب.
الأهالي في غزة كانوا قبل الحرب يحافظون على خصوصياتهم ويحترمون مساحة الآخرين من حولهم، حتى جاءت الحرب وغيّرت هذه الأوضاع، وأجبرت السكان على كشف سترهم في كثير من شؤون حياتهم، فضلا عن أن مسار النزوح بدأ بالتنقل بين صفوف المدارس والفصل بين العائلة والأخرى بقماش خفيف، إلى أن وصل الحال إلى خيام مكدّسة بجانب بعضها البعض، حسب تصريحات الأخصائية النفسية والاجتماعية سمية السويركي، لوكالة شهاب.
أزمات نفسية واجتماعية
وأشارت إلى أن أهل غزة لم يعتادوا على هذه الحياة، وأن انعدام الخصوصية في خيام النزوح يؤدي إلى أزمات نفسية واجتماعية، حيث يعيش الآلاف في مساحات ضيقة ومكشوفة تفتقر لأدنى مقومات الكرامة، موضحة أن هذا الوضع يتسبب في ضغط نفسي، وارتفاع وتيرة المشاحنات الأسرية، وشعور دائم بالانكشاف والخجل، مما يحوّل المخيمات إلى بيئة مشحونة بالتوتر والعجز.
وأوضحت أن النساء والفتيات يتحملن العبء الأكبر من هذا الانعدام بالخصوصية، إذ يواجهن صعوبات يومية في تبديل الملابس أو استخدام المراحيض المشتركة. مشيرة إلى أن النساء يضطررن لارتداء ملابس محتشمة طوال الوقت، حتى داخل الخيمة، مع انعدام القدرة على الحصول على الاحتياجات الصحية الأساسية، مما يضاعف إرهاقهن الجسدي والنفسي.




