يرى الباحث أمجد إسماعيل الأغا أن رفع قانون قيصر عن سوريا يُمثّل لحظة مفصلية في مسار الصراع السياسي-الاقتصادي الذي تشكّل على مدى سنوات من العقوبات الأميركية، لكنه لا يرقى إلى كونه «انفراجاً» كاملاً أو منحة اقتصادية مفتوحة. فهذه الخطوة، وفق قراءته، تتجاوز التعديل الإجرائي لتُشكّل بداية مرحلة انتقالية مشروطة، عالية التعقيد، تُدار بلغة سياسية صارمة تحدد بدقة هوامش حركة السلطة الانتقالية، وتربط الاستقرار أو الفشل بمدى الالتزام بشروط خارجية واضحة.
ويؤكد الأغا أن جوهر القرار الأميركي يقوم على منطق «الربط المشروط» بين تخفيف العقوبات ووجود مسار سياسي وأمني محدد المعالم. ويستشهد في هذا السياق بتصريحات رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي، براين ماست، التي تعكس بوضوح أن رفع العقوبات لا يعني التخلي عن أدوات الضغط، بل إعادة هندستها. فالخطوة تمنح واشنطن مرونة سياسية، تتيح لها إعادة فرض العقوبات سريعاً إذا ما رُصد أي انحراف عن المسار المطلوب أمنياً أو سياسياً.
من هذا المنطلق، يحذّر الأغا من الإفراط في الترويج لرفع قانون قيصر بوصفه مدخلاً تلقائياً لتعافٍ اقتصادي واسع أو تدفّق سريع للاستثمارات. فالتعويل على مكاسب اقتصادية كبرى في ظل بيئة سياسية وأمنية غير مستقرة، وبغياب ضمانات حقيقية لوقف النزاع وإصلاح بنيوي، قد يؤدي إلى تسريع الإحباط الشعبي، ويحوّل الرهان الاقتصادي إلى مغامرة عالية المخاطر.
وبحسب هذا التصور، يخرج رفع قانون قيصر من إطار «المكافأة الاقتصادية» ليغدو أداة ضبط ديناميكية، تهدف إلى دفع السلطة الجديدة للامتثال لشروط سياسية وأمنية تحول دون إعادة إنتاج الممارسات التي قادت إلى فرض العقوبات سابقاً. وهو ما يعكس، برأي الأغا، تطوراً في المقاربة الأميركية، قائمًا على إدراك محدودية العقوبات المطلقة، والانتقال نحو نموذج «الانخراط الشرطي» القائم على المراقبة المستمرة وربط أي انفتاح بإنجازات ملموسة على الأرض.
في المقابل، يلاحظ الأغا تنامي موجة تفاؤل شعبي وسياسي داخل سوريا وفي محيطها، تنظر إلى رفع القانون كبداية لمرحلة إعادة إعمار وانتعاش اقتصادي. غير أن هذا التفاؤل، برأيه، يتجاهل تعقيدات المشهد السوري، حيث لا يمكن لأي تعافٍ اقتصادي أن يستقيم فوق بنية سياسية وأمنية مختلّة، واقتصاد منهك، وبنية تحتية مدمرة، وانقسام اجتماعي عميق، فضلاً عن أزمة ثقة داخلية وخارجية مستمرة.
ويشدّد الأغا على أن رفع قانون قيصر لا يعني تلقائياً قوة النظام الجديد أو استقرار الدولة، بل يضعها أمام اختبار صعب، تُقاس نتائجه بقدرتها على معالجة الأزمات البنيوية المتراكمة، من إعادة هيكلة القطاع الأمني، ومكافحة الفساد، إلى إطلاق مسار عدالة انتقالية حقيقي. وإغفال هذه التحديات، أو الاكتفاء بالشعارات، قد يفضي إلى إعادة إنتاج حالة «استقرار زائف» سرعان ما ينهار.
وفي هذا السياق، يبرز الدور المزدوج للمجتمع الدولي، الذي يُفترض أن يتحرك بين الرقابة والدعم، عبر تقديم حوافز تدريجية مقابل إنجازات فعلية، من دون الانزلاق نحو عزلة جديدة أو تفويض غير مشروط. فرفع قانون قيصر، كما يخلص الأغا، ليس نهاية المسار، بل بدايته، واختباراً حقيقياً لجدية التحولات السياسية وقدرة السلطة الانتقالية على التكيّف مع اشتراطات النظام الدولي.
ويخلص الأغا إلى أن السلطة الانتقالية تواجه مسؤولية مزدوجة: داخلياً، عبر بناء الثقة مع السوريين من خلال إصلاحات ملموسة تعيد ترميم العقد الاجتماعي؛ وخارجياً، عبر إثبات الجدية في الالتزام بالشروط السياسية والأمنية الدولية. أما السؤال الجوهري، فيبقى مفتوحاً: هل ستنجح هذه السلطة في تحويل الفرصة إلى مسار لبناء دولة مستقلة وقادرة، أم ستظل رهينة اشتراطات خارجية تُعيد إنتاج الأزمة بأشكال جديدة؟ الإجابة، وفق الأغا، لن تُكتب في البيانات الدبلوماسية، بل في ميدان التنفيذ.






