تشهد دولة ليبيا تسارعاً في وتيرة الملاحقات القضائية والأمنية الرامية لوقف تداول مبيدات زراعية محظورة ومواد مسرطنة في الأسواق المحلية. وجاء هذا الاستنفار بعد أن كشفت تحقيقات النائب العام عن احتواء 65% من عينات المحاصيل الزراعية المعروضة على مواد محظورة ومسرطنة، ما فجر صدمة واسعة في الشارع الليبي. وتواصل النيابة العامة، بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية والجهات المختصة، شنّ حملات مداهمة وتفتيش مكثفة لتضييق الخناق على شبكات الاتجار وتداول هذه السموم.
حصيلة المداهمات والتوقيفات في المدن الليبية
العاصمة طرابلس وضواحيها: شملت المداهمات مناطق تاجوراء والقره بوللي ووادي الربيع وغوط الشعال والنشيع والسبعة. وأسفرت عن ضبط 75 عبوة مبيدات محظورة، و306 عبوة لمواد منتهية الصلاحية، و24 عبوة مجهولة المصدر والتركيب الكيميائي داخل 16 محلاً، وتم القبض على 14 شخصاً وإغلاق المحال التجارية.
منطقة الزاوية حتى منفذ رأس جدير: نفذت السلطات حملة تفتيشية واسعة طالت 68 محلاً تجارياً. وتبين أن 60 من هذه المحال تُستخدم مباشرة في الاتجار بالمبيدات المحظورة، فأمرت النيابة بإغلاقها والتحفظ على محتوياتها وملاحقة القائمين عليها.
مدينة الخمس: استهدفت المداهمات محال التداول وانتهت بضبط 950 عبوة من المبيدات المحظورة، إلى جانب 350 كيلوغراماً من المواد منتهية الصلاحية. وأصدرت النيابة قراراً بحبس 12 متهماً احتياطياً وإغلاق 30 محلاً تجارياً مخالفاً.

مدينة مصراتة: امتدت التحقيقات مباشرة إلى المزارع بعد أن ربطت المختبرات بين المنتجات المعروضة في الأسواق و12 مزرعة محددة. وضبطت السلطات 20 شخصاً متلبسين برّش المزروعات بأربعة مبيدات محظورة قبل جني المحاصيل، وأمرت النيابة بحبسهم احتياطياً.
مدينة بنغازي: داهمت القوات 37 محلاً تجارياً، وأسفرت العملية عن ضبط 11 ألف عبوة من المبيدات المحظورة، و500 عبوة منتهية الصلاحية، إضافة إلى 19 ألف كيلوغرام من سماد اليوريا المدعوم من الدولة، مع توقيف المسؤولين الحاضرين وملاحقة بقية المتورطين.
مدينة البيضاء: طالت الحملة مواقع التخزين والتداول في المدينة، وأفرزت ضبط 493 عبوة من المبيدات المحظورة لدى 14 شخصاً، حيث أُمر بحبسهم احتياطياً وإغلاق أماكن التخزين.
ثغرات رقابية ممتدة وقرارات حكومية عاجلة
أظهرت التحقيقات الموسعة التي باشرتها النيابة العامة منذ فبراير الماضي وجود ثغرات رقابية حادة سمحت بدخول تلك المواد دون بيانات تعريفية. وعزا النائب العام الليبي، المستشار الصديق الصور، الأزمة إلى خلل رقابي واضح، مطالباً بتحديث القوائم وتشديد الرقابة على الاستيراد.
وفي موازاة التحرك القضائي، أصدر وزير الاقتصاد والتجارة بحكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، سهيل بوشيحة، قراراً عاجلاً لتنظيم استيراد المبيدات الزراعية شمل الضوابط التالية:
إخضاع كافة المبيدات ذات الطبيعة الخاصة لإذن مسبق قبل استيرادها.
قصر فتح الاعتمادات المستندية على المنتجات ذات المنشأ الأوروبي والأمريكي حصراً بعد استيفاء الموافقات والتسجيلات.
إلزام وزارة البيئة بإحالة قوائم المواد المحظورة لتحديث قائمة المواد الممنوع استيرادها لدى وزارة الاقتصاد.
حظر استيراد المواد الخام الداخلة في صناعة المبيدات، ومنع دخول المبيدات الجاهزة عبر المنافذ البرية تماماً.

من جانبه، كشف رئيس التفتيش بمكتب النائب العام، خليفة عاشور، أن قائمة المبيدات المحظورة في ليبيا تضم 77 مبيداً ولم تُحدَّث منذ سنوات طويلة. وأشار عاشور إلى وجود عمليات تحايل علمي وتجاري على الأسماء عند التوريد، مؤكداً الحاجة الملحة لتطوير قدرات أجهزة الجمارك وتطوير خبراتها الفنية لمواكبة أساليب التهريب.
توافق سياسي وترقب شعبي
عكست هذه الحملة الممتدة توافقاً نادراً بين السلطات على جانبي الانقسام السياسي في ليبيا، حيث تزامنت حملات المداهمة والتوقيف التي نفذتها النيابات المختصة في الشرق والغرب معاً، نظراً لخطورة الملف الذي يمس الأمن الغذائي وصحة المواطنين.
ولاقى التحرك ترحيباً واسعاً من “المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا”، التي أكدت أن ضمان الحق في الغذاء الصحي يمثل ركيزة أساسية لا تتجزأ من منظومة الصحة العامة والأمن القومي الصحي وحماية المستهلك. ويترقب الشارع الليبي حالياً ما ستسفر عنه التحقيقات الجارية، وسط توقعات بالكشف عن شبكات أوسع ورصد كافة الثغرات الرقابية التي سمحت باستمرار هذا النشاط لسنوات.






