يتزامن اقتراب الذكرى السنوية الرابعة للغزو الروسي لأوكرانيا مع محاولة كييف إعادة تثبيت سرديتها الميدانية والدبلوماسية في آن واحد. الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تحدث عن استعادة مساحات من الأراضي في جنوب البلاد خلال الأيام الأخيرة، في وقت تتعثر فيه الوساطة الأميركية بين كييف وموسكو بسبب عقدة دونباس، المنطقة الصناعية الشرقية التي ترفض أوكرانيا التخلي عنها رغم الضغوط المتزايدة لإنهاء الحرب.
تقدّم ميداني في الجنوب وسردية استعادة الأراضي
قال زيلينسكي إن قوات بلاده استعادت نحو 300 كيلومتر مربع ضمن هجوم مضاد مستمر في الجنوب، في محاولة لإظهار أن ميزان القوى الميداني لا يتحرك فقط لمصلحة القوات الروسية. هذا الإعلان يأتي في سياق معنوي وسياسي حساس، إذ تسعى القيادة الأوكرانية إلى إبقاء زخم داخلي ودولي لدعم عملياتها، خصوصًا مع تراجع مستوى التفاؤل بإمكان تحقيق اختراق سريع على الجبهة الشرقية. إبراز مكاسب ميدانية، حتى لو كانت محدودة جغرافيًا، يُستخدم لتأكيد أن أوكرانيا لا تفاوض من موقع ضعف كامل، وأن أي حديث عن تسويات إقليمية ينبغي أن يأخذ في الاعتبار واقع الجبهات المتحرك.
دونباس كعقدة تفاوضية وضغط أميركي متزايد
تعثر المفاوضات المباشرة الأخيرة بوساطة أميركية يسلّط الضوء على مركزية دونباس في أي مسار سياسي محتمل. زيلينسكي أشار إلى أن مقاربة بعض الوسطاء تقوم على طرح الانسحاب من دونباس كمدخل لإنهاء الحرب سريعًا، وهي مقاربة ترى فيها كييف تقليصًا للصراع إلى صفقة إقليمية على حساب اعتبارات السيادة. في قراءة القيادة الأوكرانية، تمارس واشنطن ضغطًا أكبر على كييف لأنها تجد نفسها أمام معضلة إدارة حرب طويلة الكلفة سياسيًا وماليًا، فيما ترى موسكو في السيطرة الكاملة على دونباس وسيلة لتكريس مكاسبها دون الانخراط في خسائر بشرية إضافية واسعة.
ضمانات أمنية قبل أي تسويات
يربط زيلينسكي أي نقاش حول حلول وسط، بما فيها ترتيبات إقليمية محتملة، بالحصول أولًا على ضمانات أمنية أميركية واضحة. هذا الربط يعكس إدراكًا أوكرانيًا بأن أي تنازل دون مظلة ردع قوية قد يتحول إلى وقف نار هش يترك البلاد عرضة لضغوط أو جولات تصعيد لاحقة. من هنا، تسعى كييف إلى تحويل النقاش من مجرد إنهاء فوري للحرب إلى إعادة صياغة إطار أمني طويل الأمد يحدّ من قدرة موسكو على فرض وقائع جديدة بعد أي تسوية.
شبكة اغتيالات مزعومة وتصعيد أمني داخلي
في موازاة التطورات الميدانية والدبلوماسية، أعلنت السلطات الأوكرانية والمولدوفية تفكيك شبكة يُشتبه في تخطيطها لاغتيال شخصيات رفيعة المستوى مقابل مبالغ مالية، في إطار تحقيق مشترك أسفر عن اعتقالات ومصادرة أسلحة ومتفجرات ومعدات اتصال. هذه القضية تُضاف إلى اتهامات سابقة وجهتها كييف لموسكو بالتورط في مخططات استهداف مسؤولين كبار، بما يعزز سردية الحرب غير المعلنة التي تتجاوز خطوط الجبهة إلى ساحات أمنية واستخباراتية داخل العمق الأوكراني ومحيطه الإقليمي.
أوروبا تتحمل دورًا أمنيًا أكبر داخل الناتو
على المستوى الأوروبي، أكدت دول رئيسية استعدادها لتحمل مسؤولية أكبر في أمن القارة ضمن إطار حلف شمال الأطلسي، مع التزام بمواصلة تعزيز الردع والدفاع لمنع أي عدوان محتمل من روسيا. هذا الخطاب يأتي في سياق إعادة تموضع أوروبي تحت ضغط المطالب الأميركية برفع الإنفاق الدفاعي إلى مستويات أعلى، ما يعكس انتقالًا تدريجيًا نحو “ناتو أكثر أوروبية” دون التخلي عن المظلة الأطلسية. هذا التحول يهدف إلى طمأنة دول الجناح الشرقي للحلف، وفي الوقت نفسه تقاسم أعباء الحرب غير المباشرة في أوكرانيا على نحو أوسع داخل أوروبا.
مقاطعات رياضية كامتداد رمزي للصراع
امتد أثر الحرب إلى المجال الرياضي، مع إعلان أوكرانيا وجمهورية التشيك مقاطعة حفل افتتاح الألعاب البارالمبية في ميلانو-كورتينا احتجاجًا على مشاركة رياضيين روس وبيلاروس تحت علم بلادهم. هذه الخطوة، وإن كانت رمزية، تعكس استمرار توظيف الفضاءات الدولية غير السياسية للتعبير عن مواقف سياسية، في إطار حرب سرديات تسعى فيها كييف إلى عزل موسكو أخلاقيًا وثقافيًا بقدر ما تحاول احتواء نفوذها عسكريًا.
تتداخل الإشارات الميدانية عن تقدّم محدود مع تعقيدات تفاوضية تتركز حول دونباس، في وقت يتزايد فيه الضغط على كييف للقبول بصيغ تسوية سريعة، مقابل إصرار أوكراني على ضمانات أمنية تسبق أي مقايضات إقليمية. وبينما تتسع دوائر الصراع إلى ساحات أمنية ورياضية وأوروبية أطلسية، يظل مسار الحرب مفتوحًا على احتمالات متباينة، يتقدم فيها منطق الردع والتوازن الحذر على فرص اختراق سياسي قريب.






