بين جنين ونابلس، تقف “سبسطية” شاهدةً على طبقات متعاقبة من التاريخ، لكنها اليوم تجد نفسها في قلب صراع يتجاوز الجغرافيا إلى الرواية والهوية، البلدة الأثرية، بما تحمله من إرث كنعاني وروماني وبيزنطي وإسلامي، تحولت إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين السكان الفلسطينيين وسياسات إسرائيلية يقول مسؤولون فلسطينيون إنها تستهدف فرض سيادة فعلية على الموقع ومحيطه تحت عناوين التطوير والحفاظ على التراث.
التطورات الأخيرة، وفق ما أعلنته هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، تتعلق بقرار اتملاك نحو ألفي دونم من أراضي سبسطية وبرقة، في خطوة تُقرأ فلسطينياً باعتبارها امتداداً لمسار بدأ قبل سنوات عبر تخصيص ميزانيات حكومية لمشاريع في المنطقة المصنفة (ج)، ومحاولات فصل الموقع الأثري عن محيطه الفلسطيني وإعادة تسميته ضمن سردية “السامرة”.
أطماع المستعمرين في الموقع التاريخي
“الاحتلال أصدر يوم أمس أمراً يقضي بالاستيلاء على 2000 دونم من أراضي بلدتي سبسطية وبرقة شمال محافظة نابلس وفق أمر استملاك استهدف الموقع الأثري في المنطقة، فضلا عن أن أمر الاستملاك الرسمي الصادر يشكّل استكمالا مباشرا لإعلان نية الاستيلاء الصادر سابقا بموجب الأمر رقم (2/25) بتاريخ 18 كانون الثاني 2025، والذي اكتفت دولة الاحتلال في حينه بالإعلان عن نية الاستيلاء دون توضيحات أخرى”. حسب تصريحات رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الوزير مؤيد شعبان، لوكالة وفا.
بينما أكد رئيس بلدية سبسطية محمد عازم. أنه منذ عام 2015 زادت أطماع المستعمرين في السيطرة على الموقع التاريخي في سبسطية، وكانت هناك محاولات لشق طرق خاصة بهم للوصول إليه من أجل السيطرة عليه، موضحًا في حديث لوكالة “وفا” أن المستعمرين لم يألوا جهدا من أجل فرض أمر واقع على الأرض؛ من خلال التضييق على المواطنين والاعتداء عليهم، حتى شنوا حربا لمجرد رؤيتهم العلم الفلسطيني يرفرف فوق أحد التلال في البلدة”.
وأضاف: “في شهر آذار/ مارس 2021 خصصت حكومة الاحتلال 24 مليون شيقل، في محاولة لتهويد الآثار، والسيطرة على المواقع الأثرية، بما فيها سبسطية، إضافة إلى اقتحام قادة ووزراء، آنذاك، للموقع الأثري في البلدة، لإقرار إنشاء مركز لشرطة داخل الموقع الأثري بهدف السيطرة عليه”.
مخالفة صريحة للمواثيق الدولية
وتابع: “في تموز عام 2025 أعلن الاحتلال الاستيلاء على 1300 متر مربع من أراضي سبسطية لإقامة ثكنة عسكرية تطل على معبد أغسطس وقصر عمري، ما يمنحه سيطرة مباشرة على الموقع والمناطق المحيطة، وعقب ذلك أعلن نية حكومته الاستيلاء على 2068 دونما من أراضي سبسطية وبرقة”.
حكومة الاحتلال عادت يوم أمس وصادقت على الاستيلاء واستملاك الأراضي بشكل تام؛ للمصلحة العامة حسب القرار الإسرائيلي، وأنه ستتم السيطرة على الموقع الأثري بشكل كامل، إضافة إلى الأراضي الزراعية وامتدادات بلدتي سبسطية وبرقة. وفقال لتصريحات “عازم”.
وأشار إلى أن ما يحدث اعتداء سافر على موروث ثقافي يزيد عمره على خمسة آلاف عام، محمّلاً حكومة الاحتلال المسؤولية الكاملة عن هذه الجريمة، التي تُعد مخالفة صريحة للمواثيق الدولية التي تحظر على دولة الاحتلال التدخل في التراث التاريخي للمناطق المحتلة، مؤكدا أن البلدية ستتخذ جميع الإجراءات القانونية الممكنة لوقف هذا المخطط التهويدي.
التهويد وفرض الضم
المشاريع التي تنفذها سلطات الاحتلال ليست لغايات التطوير السياحي كما تدّعي، بل هي جزء من سياسة ممنهجة لتهويد الموقع وفرض الضم، عبر إعادة تسمية المكان وتغيير ملامحه بما يخدم الرواية الإسرائيلية. والاحتلال يعمل خلال الأعوام الثلاثة الماضية بوتيرة متسارعة على فرض وقائع على الأرض، كان أبرزها قرار حكومة الاحتلال في تموز 2023 بتخصيص 32 مليون شيقل لتطوير الموقع في المناطق المصنفة (ج) وفصله عن القرية. حسب تصريحات مدير عام السياحة والآثار في نابلس ضرغام فارس، لـ وفا.
شهد عام 2023 قفزة نوعية في التمويل الحكومي لمشاريع التهويد في سبسطية. ففي أيار، صادقت الحكومة الإسرائيلية على استثمار 29 مليون شيقل لتطوير الموقع، أعقبها في تموز تخصيص 32 مليون شيقل إضافية في إطار مشاريع تقع في معظمها في المناطق المصنفة (ج). وفقا لدراسة أجراها معهد الأبحاث التطبيقية “أريج” بعنوان: “سبسطية: ذاكرة التاريخ في مواجهة مقصلة الاستيطان”.
وكشفت الدراسة عن أنه مع مطلع عام 2025، تم إطلاق مشروع “متنزه السامرة الوطني”، تحت ذريعة الحفاظ على “التراث اليهودي”، مع رصد ميزانية جديدة تجاوزت 32 مليون شيقل. إلا أن المراقبين يؤكدون أن الهدف الحقيقي لهذه المشاريع ليس الحفاظ على التراث، وإنما فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على الموقع وإعادة صياغة هويته بما يتماشى مع الرواية التوراتية، في مسعى واضح إلى طمس الوجود الفلسطيني.




