تتزايد التحذيرات من تحوّل الإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية، إلى استراتيجية متكاملة تستهدف إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديمغرافي الفلسطيني، وما يجري لم يعد يقتصر على ممارسات أمنية أو استيطانية متفرقة، بل يمثل “هجوماً ممنهجاً متعدد الأبعاد” يجمع بين العمليات العسكرية، وتوسع البؤر الاستيطانية، وتصاعد نفوذ ميليشيات المستوطنين، وإغلاق الممرات والطرق، إلى جانب تسريع التشريعات الداعمة للاستيطان.
إقامة بؤر ومزارع استيطانية رعوية
ووفق هذا التوصيف، تسعى سلطات الاحتلال إلى فرض وقائع جديدة على الأرض عبر ما يُعرف بـ”الضم الصامت”، بالتوازي مع خلق بيئة ضاغطة تدفع الفلسطينيين إلى التضييق على مصادر رزقهم وحركتهم اليومية، في مشهد يعكس تعقيد التحديات التي تواجهها الضفة الغربية في المرحلة الراهنة.
وتشهد الضفة تفاقماً في اعتداءات المستوطنين بهدف إقامة “بؤر ومزارع استيطانية رعوية”. كما تشهد محافظة الخليل تشهد نموذجاً صارخاً لهذا التمدد، إذ ارتفع عدد هذه المزارع الاستيطانية فيها إلى نحو 400 مزرعة.
ما تشهده الضفة الغربية المحتلة في الآونة الأخيرة يتجاوز الانتهاكات الفردية ليصنف كـ “هجوم ممنهج خماسي الأبعاد”، تقوده سلطات الاحتلال “الإسرائيلي” بالتعاون مع مجموعات المستوطنين، بهدف فرض واقع “الضم الصامت” وتحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم يومي لدفعهم نحو الهجرة القسرية. حسب تصريحات الباحث والمحلل السياسي، نعمان عمرو، لوكالة شهاب.
تشكيل ميليشيات مسلحة من المستوطنين
هذا الهجوم المنسق – وفقا للباحث – يتوزع على عدة مسارات تكاملية تقسم واقع الضفة الغربية إلى كانتونات ومعازل مغلقة، أولها إرهاب الجيش والمخابرات، ويتمثل في التصعيد المستمر لعمليات المداهمة اليومية، الاعتقالات العشوائية، وإغلاق بوابات القرى والبلدات، ونشر الحواجز العسكرية المقيدة لحركة المواطنين. وثاني المسارات،
الباحث أشار إلى تشكيل ميليشيات مسلحة من المستوطنين تمتلك سيارات دفع رباعي، وتحظى بدعم مباشر وغطاء رسمي مما يسمى بوزير الأمن القومي “الإسرائيلي” إيتمار بن غفير “هذه الميليشيات تسعى لتحويل الصراع إلى مجرد آليات ضبط داخلي بين مجموعات سكانية، حيث تفرض إحداها سطوتها بقوة السلاح الحديث وسيارات الدفع رباعي، بدعم كامل من جيش وحكومة الاحتلال”.
وكشف “عمرو” عن وجود ما يزيد على 1000 بوابة عسكرية تقطع أوصال الضفة المحتلة، مشيراً إلى أنها تنقسم إلى ثلاثة أنواع وفقاً لمزاجية الاحتلال: بوابات تُفتح صباحاً وتُغلق مساءً برغبة الجنود، وبوابات مغلقة بشكل دائم، وبوابات ترتبط حركتها بمزاج وضباط مخابرات الاحتلال. فيما الخامس، بحسب عمرو، شرعنة البؤر الاستيطانية قانويناً عبر تسريع وتيرة شرعنة “الكنيست الإسرائيلي” للبؤر العشوائية وتسهيل القوانين الناظمة التي تخدم هذا التوجه.
تضييق ممنهج على المواطنين
هذا الهجوم المنسق يحمل هدفين إستراتيجيين خطيرين، الضم الصامت عبر قوننة الاستيطان وتثبيته كأمر واقع على الأرض بدعم برلماني “إسرائيلي”، وخلق بيئة طاردة للسكان من خلال التضييق الممنهج على المواطنين لحثهم على الانتقال التدريجي من المناطق المصنفة “ج” إلى “ب”، ومن ثم إلى “أ”، تمهيداً لدفعهم إلى مغادرة البلاد كلياً.
هذه الإجراءات – حسب المحلل السياسي – تصاحبها عمليات تنكيل يومية وقمع مستمر، وحرمان للمواطنين من الوصول إلى أراضيهم وأماكن رزقهم، مما حول الضفة الغربية إلى معازل حقيقية، كانتونات مغلقة، أو سجون كبرى”. محذرًا من أن الضفة الغربية باتت في حالة “اشتباك دائم” وفصْلٍ جديد من السيطرة الكاملة على أدوات الإنتاج الفلسطيني (من مواشي، ومحاصيل، وسيارات) والتي يتم الاستيلاء عليها في كل لحظة، بمرأى وتأييد مباشر من جيش الاحتلال.




