تُظهر التطورات الأخيرة في العلاقات بين سوريا وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي تحولاً مهماً في مقاربة دمشق للانفتاح الاقتصادي بعد أكثر من عقد من العزلة والعقوبات، إذ تسعى الحكومة السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع إلى إعادة إدماج البلاد في النظام المالي العالمي، ولكن من دون اللجوء إلى الاقتراض الخارجي الذي يُعدّ أحد أبرز أدوات التمويل التقليدية. ويكشف لقاء الشرع بمديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا في واشنطن عن إدراك سوري واضح لأهمية بناء الثقة الاقتصادية والمؤسسية مع الجهات الدولية، كخطوة أولى في مسار طويل نحو التعافي وإعادة الإعمار.
الانفتاح المالي كمدخل للاعتراف الدولي
يبدو أن أول ما تسعى إليه دمشق من هذا التقارب مع المؤسسات المالية الدولية هو الاعتراف الدولي والانفتاح المالي. فلقاء مسؤولين سوريين مع قادة صندوق النقد والبنك الدوليين يمثل، من وجهة نظر الحكومة السورية، تجاوزاً لجدار العزلة التي فُرضت منذ عام 2011. وتدرك دمشق أن المؤسسات المالية الدولية لا تتعامل فقط بلغة المال، بل أيضاً بلغة الشرعية؛ فمجرد استقبال وفود سورية أو إطلاق برامج مساعدة فنية يُعتبر مؤشراً على أن سوريا بدأت تستعيد موقعها كعضو فاعل في النظام المالي الدولي.
هذا الانفتاح يحمل في طياته رسالة مزدوجة: الأولى إلى المجتمع الدولي بأن النظام السوري أصبح مستعداً للتعاون بشفافية مع المؤسسات المالية العالمية، والثانية إلى المستثمرين الإقليميين والدوليين بأن البلاد تتجه نحو الاستقرار والانفتاح، ما قد يشجع على العودة التدريجية للاستثمار في السوق السورية. ومن الواضح أن دمشق تراهن على هذا البعد الرمزي والسياسي أكثر من رهاناتها على مكاسب مالية مباشرة، وهو ما يفسر تأكيد الرئيس الشرع المتكرر أن بلاده لن تقترض لإعادة الإعمار.
المساعدة الفنية بدلاً من التمويل المشروط
تُدرك القيادة السورية أن القروض التي يقدمها صندوق النقد أو البنك الدولي غالباً ما تكون مشروطة بإصلاحات اقتصادية صارمة، تشمل تقليص الدعم الحكومي وتحرير الأسعار ورفع الضرائب، وهي سياسات سبق أن أرهقت اقتصادات دول أخرى في المنطقة مثل مصر وتونس. ومن هنا، فضّلت دمشق أن تركّز على المساعدة الفنية غير المالية، التي تُتيح للصندوق تقديم الخبرة التقنية والتدريب للمؤسسات السورية دون فرض التزامات مالية مباشرة.
فالمطلوب من وجهة نظر سوريا ليس المال بقدر ما هو بناء القدرات المؤسسية، وتحديث النظام المالي والنقدي، ورفع كفاءة إدارة الموارد العامة. وتشمل هذه المساعدات مجالات مثل إصلاح البنك المركزي السوري، وتطوير الإحصاءات الاقتصادية، وتحسين إدارة المالية العامة، وتعزيز الشفافية في إعداد الموازنات وتنفيذها. كما يتضمن التعاون الفني تدريب الكوادر الوطنية على معايير الحوكمة ومكافحة الفساد، وتحسين قدرات البنك المركزي في مكافحة التضخم واستقرار العملة المحلية.
هذا التوجه لا يخلو من ذكاء سياسي؛ فدمشق تحصل على دعم مؤسسي وفني يساهم في تحسين أداء مؤسساتها ويمنحها الشرعية المالية، دون أن تضطر إلى الخضوع لشروط سياسية أو اقتصادية ثقيلة. كما أن المساعدات الفنية تُعدّ مدخلاً عملياً لإعادة بناء الثقة بين سوريا والمؤسسات الدولية بعد سنوات من الانقطاع.
إعادة بناء الثقة والمؤسسات
من الجوانب الجوهرية التي تراهن عليها دمشق في علاقتها الجديدة مع الصندوق هي إعادة بناء الثقة، ليس فقط بين الحكومة والمؤسسات المالية الدولية، ولكن أيضاً بين المواطن السوري والدولة. فالإصلاح المؤسسي في مجالات المالية العامة والنقد والإحصاءات يُسهم في تعزيز الشفافية وتوحيد قواعد البيانات الاقتصادية، ما يتيح للدولة تخطيطاً أكثر دقة وتوازناً في سياساتها.
ويشير الدكتور جلال قناص، من جامعة قطر، إلى أن برامج بناء القدرات التي يوفرها الصندوق تمثل رافعة مهمة لتقوية المؤسسات الاقتصادية السورية، عبر تحديث الأنظمة الضريبية والجمركية، وتحسين إدارة الدين العام، وتطوير قدرات البنك المركزي، إضافة إلى تفعيل القوانين الخاصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. هذه الخطوات، برأيه، لا تُلزم سوريا بديون جديدة لكنها تفرض عليها التزامات مؤسسية وسياسية لضمان استدامة الدعم الفني وتحقيق نتائجه على الأرض.
في هذا السياق، تبرز ثلاثة متطلبات أساسية لنجاح التعاون مع الصندوق: الإرادة السياسية لتطبيق الإصلاحات المقترحة، الالتزام بتبادل البيانات الاقتصادية الدقيقة والشفافة، والتعاون الكامل بين المؤسسات المحلية والخبراء الدوليين. هذه العناصر تشكل اختباراً لقدرة دمشق على الانتقال من الخطاب الإصلاحي إلى الممارسة الفعلية.
الإصلاح دون المساس بالسيادة الاقتصادية
الرهان السوري على المساعدة الفنية دون القروض يرتبط أيضاً بالرغبة في الحفاظ على السيادة الاقتصادية والسياسية. فالقروض عادة ما تمنح المقرضين نفوذاً على سياسات الدولة المستفيدة، وهو ما تحاول دمشق تفاديه. فالدخول في برامج تمويل مشروطة قد يفرض على الحكومة السورية خطوات لا تتناسب مع الوضع الاجتماعي والاقتصادي الداخلي، مثل رفع الدعم عن الطاقة أو تحرير أسعار السلع الأساسية، وهو ما قد يخلق توترات اجتماعية جديدة في بلد أنهكته الحرب.
كما أن النظام السوري يتوجس من أي التزامات قد تفرض عليه تعديل علاقاته مع حلفائه التقليديين، مثل روسيا أو إيران. ويشير الدكتور أنور الشريعان من جامعة الكويت إلى أن الدعم غير المالي من صندوق النقد قد يحمل في طياته توجهاً سياسياً يعكس أحياناً مصالح الولايات المتحدة، وهو ما قد يقيّد حرية سوريا في التعامل مع شركائها الاقتصاديين. ومع ذلك، يرى الشريعان أن انخراط سوريا في برامج الصندوق يبقى مؤشراً إيجابياً على تحسن بيئة نقل الأموال والانفتاح على الأسواق الدولية، ما يعزز فرص جذب الاستثمارات.
بين الإصلاح الداخلي والانفتاح الخارجي
يأتي هذا الانفتاح المالي في إطار خطة سورية أشمل تستهدف تحسين الصورة أمام المانحين والمستثمرين. فوجود علاقة مؤسسية مع الصندوق والبنك الدوليين يمنح دمشق نوعاً من شهادة الثقة الاقتصادية التي قد تشجع المؤسسات الأخرى، مثل الاتحاد الأوروبي أو الصناديق العربية، على المشاركة في تمويل مشاريع تنموية. وفي هذا الإطار، كشفت وزارة المالية السورية أن المحادثات الأخيرة أسفرت عن تفاهمات إستراتيجية تتضمن إطلاق برامج مساعدة فنية في الإصلاح المالي والمصرفي والإحصائي، ومشاورات المادة الرابعة خلال ستة أشهر قد تفضي إلى برنامج إصلاحي غير مرتبط بقروض، إضافة إلى تعيين ممثل مقيم للصندوق في دمشق وإلغاء الإجراءات الأمنية السابقة.
أما على صعيد البنك الدولي، فتشير دمشق إلى اتفاق على استقبال ست بعثات فنية في قطاعات الطاقة والمياه والتعليم والصحة والنقل، فضلاً عن تمويل منح بقيمة مليار دولار لمشاريع تنموية خلال ثلاث سنوات، وفتح مكتب دائم للبنك في العاصمة السورية. كما يجري الترتيب لإعادة تفعيل العلاقات مع مؤسسة التمويل الدولية ووكالة ضمان الاستثمار، بما يتيح تشجيع القطاع الخاص المحلي والأجنبي على الاستثمار في مشاريع إعادة الإعمار.
نحو شراكة مالية جديدة
في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن سوريا تحاول صياغة نموذج بديل للشراكة مع المؤسسات الدولية يقوم على التعاون الفني بدلاً من التمويل المشروط، وعلى الاعتراف التدريجي بدلاً من التطبيع الفوري. إنها استراتيجية “الخطوة بخطوة” التي تتيح لدمشق استعادة حضورها المالي والسياسي تدريجياً، من دون أن تتورط في التزامات مالية كبيرة أو صدامات سياسية مع حلفائها.
لكن هذه المقاربة، رغم مرونتها، تبقى محفوفة بالتحديات. فالمؤسسات الدولية تحتاج إلى مؤشرات ملموسة على التزام الحكومة السورية بالإصلاح والشفافية، في حين تتطلب الإصلاحات الداخلية إرادة سياسية قادرة على مقاومة مصالح القوى البيروقراطية التي استفادت من اقتصاد الحرب. كما أن عودة سوريا إلى النظام المالي العالمي ستصطدم بعقوبات غربية لا تزال قائمة، ما يعني أن الطريق أمام دمشق سيكون طويلاً وشاقاً، وإن كان أقل عزلة من ذي قبل.
إن التحول في علاقة دمشق بصندوق النقد والبنك الدوليين يمثل بداية مسار أكثر من كونه إنجازاً بحد ذاته. فالمحادثات الأخيرة ليست بحثاً عن المال، بل عن الاعتراف والثقة. وسواء نجحت سوريا في تحويل هذا الزخم إلى إصلاحات حقيقية أم لا، فإنها أرسلت إشارة سياسية واضحة بأنها تسعى إلى إعادة تعريف دورها الاقتصادي في العالم: دولة ما بعد الحرب التي تريد أن تُبنى من الداخل، ولكن بعين مفتوحة على الخارج.






