مشاهد الدمار في قطاع غزة، تعكس صعوبة التنبؤ بمستقبل الشباب، الذي يمضي دول رؤية واضحة، في ظل الحالة الضبابية للمشهد السياسي، ومع امتداد الحرب وتداعياتها الثقيلة، وجد آلاف الشباب أنفسهم أمام نقطة الصفر، بعدما كانت خطواتهم تسير بثبات نحو مستقبل رسموه بعناية وتحولت مشاريع الزواج، وبدايات العمل، وحتى الأحلام البسيطة، إلى خطط مؤجلة، علقتها الحرب على هامش الانتظار القاسي.
رامي: الحرب دمرت حلم الزواج
“كنت أستعد للخطوبة بعد ما توظفت في مؤسسة خاصة، وبلّشت أحوّش، ولما صار الوضع مناسب قررت أخطب، وأمي بدأت تدور لي على عروسة، بس كل شيء وقف أول ما بدأت الحرب.. كنت مخلّص أغلب التجهيزات، وجهّزت شقتي، وكان ضايل بس شغلات بسيطة زي العفش كنت ناوي أكمّلها بعد الخطوبة، لكن قبل الهدنة الأولى بفترة قصيرة راحت الدار، وللأسف كمان خسرت وظيفتي”، حسب تصريحات رامي أبو شعر، الذي كان يستعد للخطوبة قبل الحرب بشهرين لوكالة شهاب.
وأضاف رامي “اليوم مش قادر أفكر بالزواج، لا في دخل، ولا في استقرار، والواحد بالكاد قادر يوفّر أكله وشربه وأموره الشخصية”. ويصف رامي شعوره بعد كل ما حدث بأنه الأصعب في حياته، فبينما كان يقترب أخيرًا من مرحلة الاستقرار التي حلم بها لسنوات، وجد نفسه فجأة يعيش في مجهول لا يعرف له بداية ولا نهاية.
وتابع “شعور صعب إنك تكون واصل لمرحلة خلص بدك تستقر، بدك تبدأ حياتك، وفجأة تلاقي حالك راجع للصفر، لا بيت، لا شغل، ولا حتى مستقبل واضح”. ورغم هذا الثقل، أملي الوحيد بالله هو الشيء الوحيد الذي يصبرني، “الحمد لله، إحنا مؤمنين إنه ربنا ما بينسى حد، وإنه الحال لازم يتغير، ويمكن ربنا كاتب إلنا الأفضل قدّام”.
خالد: أتمسك بهدف رغم المجاعة
أما خالد تاية 34 عامًا، فكانت رحلته مختلفة منذ البداية، لم يُكمل دراسته الثانوية وترك المدرسة مبكرًا، ليبدأ العمل في محل لبيع خبز الصاج ويساعد أسرته. ومع مرور السنوات، صار خالد يعرف المهنة بتفاصيلها الدقيقة، حتى أصبح اليد الأساسية في المحل، قائلاً، “أنا ما تعلمتش، تركت المدرسة وأنا صغير، واشتغلت بخبز الصاج، كبرت وأنا واقف قدّام الفرن، وتعلمت الشغل خطوة بخطوة”. حسب تصريحاته لوكالة شهاب.
وتابع “قررت قبل الحرب أفتح محل خاص أنا وإخواني، أبوي حكالي لمتى بدك تضل تشتغل عند الناس، صار عندك خبرة، ووقتها حسّيت إنه لازم أبدأ مشروعي، بلشنا نجهّز، ولقينا مكان، وبلشنا نشتري معدات بسيطة، بس قدر الله واجت الحرب”. ويتابع، “لما نزحنا من الشمال للجنوب، اليهود اعتقلوا أخوي على الحاجز، وبعد الهدنة الأولى حاولنا نرجع نكمّل المشروع بخيمة، بس انقطع الطحين، وصارت المجاعة، واضطرينا نوقف كل شيء.. هلقيت بحاول أرجع أبدأ، لازم أتمسك بهدفي وأوقف على رجلي من أول وجديد، والباقي موكّله لربنا، هو اللي بيفتح الأبواب”.
براء: نعاني من واقع اقتصادي صعب
أما براء حبوش، فكان قد تخرّج حديثًا من الجامعة، لكنه لم يجد أي فرصة عمل في مجاله، ما دفعه لإطلاق مشروع إلكتروني صغير لبيع العطور عبر الإنترنت. و اشترى براء زيوتًا أساسية وكحولًا وعلبًا بسيطة، وبدأ يروّج لمنتجاته، قبل أن تتوقف كل خططه مع اندلاع الحرب، قائلاً، “خلال الحرب ما كنتش قادر أشتغل، النزوح كان شبه يومي خصوصا عنا بشمال غزة، ما في استقرار، ولا كهربا، ولا إنترنت، فكيف بدي أشتغل على مشروع إلكتروني وأنا مش عارف وين رح نكون تاني يوم”.
وبعد الهدنة، حاول براء استئناف مشروعه، لكنه اصطدم بواقع اقتصادي صعب، مضيفًا، ” أسعار زيوت العطور والكحول والعلب صارت خيالية، فوق طاقتي، والناس أصلاً مش رح تشتري عطور بسعر غالي، الأولوية اليوم للأكل لأنه ظروف الناس صارت صعبة، هادا كله خلاني أوقف المشروع وأستنى الأسعار ترخص، حتى أرجع من جديد”.




