في تطور يفتح الباب أمام تساؤلات معقدة بشأن السيادة العراقية والتشابكات الأمنية في المنطقة، كشفت تقارير ومعلومات نقلتها صحيفة نيويورك تايمز عن وجود قاعدة إسرائيلية سرية ثانية داخل الأراضي العراقية، استخدمت ضمن عمليات عسكرية مرتبطة بالمواجهة مع إيران.
لكن ما جعل القصة أكثر إثارة هو أن خيط الكشف عن هذه المواقع بدأ من راعٍ محلي وجد نفسه مصادفة أمام واحد من أكثر الأسرار العسكرية حساسية في المنطقة.
القصة التي بدأت في عمق الصحراء في العراق تحولت تدريجياً إلى ملف سياسي وأمني بالغ التعقيد، بعدما انتهت بمقتل الرجل الذي عثر على الموقع، وسط اتهامات وصمت رسمي وتساؤلات حول ما إذا كانت جهات عدة على علم بما يجري داخل الأراضي العراقية.
اكتشاف غير متوقع في صحراء النخيب
ووفق الروايات المتداولة، بدأت الأحداث قرب بلدة النخيب الواقعة غرب العراق، حين كان الراعي عواد الشمري يقود شاحنته الصغيرة في رحلة اعتيادية لشراء بعض الاحتياجات.
لكن الرحلة أخذت مساراً مختلفاً بشكل كامل، بعدما رصد نشاطاً عسكرياً غير مألوف في قلب الصحراء. وبحسب شهادات مقربين منه، فقد شاهد تجمعات تضم مروحيات وعناصر مسلحة وخياماً إضافة إلى ما بدا وكأنه مدرج هبوط مؤقت.
المثير في الرواية أن شهوداً تحدثوا عن تعرض شاحنته لاحقاً لمطاردة من مروحية أطلقت النار عليها قبل أن تتوقف وسط الرمال، ما جعل الحادثة تتحول من مجرد مصادفة إلى بداية كشف شبكة معقدة من التحركات العسكرية السرية.
اتصال أمني يكشف القصة
ولم يحتفظ الشمري بما شاهده لنفسه، بل تواصل مع الجهات العسكرية في العراق وأبلغها بما رآه في المنطقة، وفق ما أكده مسؤولون محليون.
وفي وقت لاحق، تبين أن الموقع الذي رصده الراعي لم يكن معسكراً عسكرياً تقليدياً، بل قاعدة إسرائيلية استخدمت – بحسب مسؤولين أمنيين – لدعم عمليات مرتبطة بالتحركات العسكرية ضد إيران.
وتشير المعطيات إلى أن القاعدة لم تكن منشأة ثابتة بالشكل التقليدي، وإنما موقعاً مؤقتاً أُنشئ لأغراض محددة تشمل الإسناد الجوي والتزود بالوقود والخدمات الطبية.
قاعدة ثانية تدخل المشهد
وفي تطور أكثر حساسية، كشفت مصادر عراقية أن الموقع الذي اكتشفه الراعي لم يكن الوحيد، وبحسب مسؤولين نقلت عنهم الصحيفة، فإن قاعدة إسرائيلية ثانية كانت تعمل أيضاً داخل الصحراء الغربية العراقية، دون إعلان رسمي عن موقعها الدقيق.
وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى وجود موقع إسرائيلي داخل العراق، لكن المعلومات الجديدة تحدثت عن شبكة مواقع متعددة جرى تجهيزها بعيداً عن الأنظار.
وتقول مصادر أمنية إن الاستعدادات بدأت منذ أواخر عام 2024، عبر اختيار مناطق صحراوية بعيدة يمكن استخدامها في أوقات النزاعات أو العمليات الخاصة.
حرب إيران أعادت أهمية القواعد
وتشير المعلومات المسربة تشير إلى أن هذه المواقع اكتسبت أهمية كبيرة خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً ضد إيران في يونيو 2025.
ووفق مسؤولين أمنيين، فإن القواعد ساعدت في تقليل المسافات التي تحتاج الطائرات العسكرية الإسرائيلية إلى قطعها للوصول إلى أهدافها، كما وفرت دعماً لوجستياً سريعاً أثناء العمليات.
ويؤكد مسؤولون أن الهدف الأساسي كان تسهيل تنفيذ مهام جوية معقدة في بيئة إقليمية تشهد تصعيداً متواصلاً.
هل كانت واشنطن تعلم؟
واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل تتعلق بالدور الأميركي المحتمل، فبحسب مسؤولين عراقيين، كانت الولايات المتحدة على علم بإحدى القواعد على الأقل، وهو ما أثار غضباً واسعاً داخل الأوساط السياسية في العراق.
ويرى نواب ومسؤولون أن هذه المعلومات – إذا ثبتت – تمثل انتهاكاً واضحاً للسيادة العراقية، خاصة إذا كانت بغداد لم تُبلغ رسمياً بما يحدث.
وقال سياسيون عراقيون إن القضية تثير تساؤلات حول طبيعة التنسيق بين واشنطن وتل أبيب داخل المنطقة، ومدى اطلاع العراق على التحركات العسكرية التي تجري على أراضيه.
الجيش العراقي: كنا نشك منذ أسابيع
من جانبه، أكد مسؤولون عسكريون أن هناك مؤشرات سبقت اكتشاف الراعي، وقال قادة عسكريون إن تجمعات بدوية في الصحراء الغربية أبلغت عن تحركات عسكرية غير معتادة خلال أسابيع سبقت الواقعة.
لكن بدلاً من الاقتراب المباشر، اكتفت القوات العراقية – وفق التصريحات – بإجراء عمليات مراقبة واستطلاع عن بعد، مع طلب معلومات من الجانب الأميركي دون الحصول على إجابات واضحة.
والقسم الأكثر غموضاً في القصة يتعلق بمصير عواد الشمري نفسه، فبعد إبلاغه السلطات بفترة قصيرة، انقطع الاتصال به بصورة مفاجئة، وبحسب أقاربه، تلقوا لاحقاً معلومات عن وجود مركبة محترقة في المنطقة تشبه شاحنته.
وعندما وصلوا إلى المكان، كانت الصدمة كبيرة؛ إذ عُثر على السيارة والجثة محترقتين بصورة كاملة تقريبا، وأظهرت الصور التي نشرتها العائلة آثار إصابات وحروق شديدة، فيما دفن الرجل إلى جوار مركبته في مشهد أثار تعاطفاً واسعاً وتساؤلات لم تجد إجابات حتى الآن.
مهمة استطلاع تتحول إلى اشتباك
في اليوم التالي للحادثة، أرسلت السلطات العراقية مهمة استطلاع باتجاه المنطقة، لكن المهمة – وفق بيانات رسمية – تعرضت لإطلاق نار، ما أدى إلى مقتل جندي وإصابة آخرين، قبل أن تنسحب القوة من المكان.
وفي البداية تحدثت السلطات عن تعرضها لهجوم من “قوات أجنبية”، لكن مسؤولين لاحقاً قالوا إن اتصالات مع الجانب الأميركي أكدت أن القوة المهاجمة ليست أميركية.
وبحسب الروايات العراقية، أدى ذلك إلى ترجيح فرضية أن القوات كانت إسرائيلية.
وتكشف القضية عن فجوات كبيرة في المشهد الأمني العراقي، وتطرح أسئلة تتجاوز مجرد وجود قواعد سرية.
هل كانت الحكومة العراقية تعلم؟ وهل أخفت أطراف دولية معلومات حساسة عن بغداد؟ وهل دفع الراعي حياته ثمناً لما شاهده في الصحراء؟
حتى الآن لا تزال الإجابات غائبة، فيما تتمسك عائلة عواد الشمري بمطلب واحد: فتح تحقيق كامل يكشف ملابسات مقتله ويمنح الرجل الذي كشف أحد أكثر الأسرار غموضاً حقه، بعد أن تحولت رحلته العادية في الصحراء إلى قصة تتقاطع فيها السياسة والأمن والدم.




