تشهد ليبيا في الأسابيع الأخيرة بوادر مرحلة جديدة تتسم بقدر من البراغماتية والتحوّط السياسي، في محاولة من القوى المتنازعة لإعادة التموضع بعد سنوات من الاستقطاب والانقسام بين الشرق والغرب. فبعد أكثر من عقد على سقوط نظام معمر القذافي، وما تلاه من حروب متكررة وصراعات على الشرعية والنفوذ، يبدو أن كلا المعسكرين – معسكر المشير خليفة حفتر في الشرق، وحكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في الغرب – يتجهان إلى إدارة خلافاتهما بمنطق مصلحي أكثر هدوءاً، دون الانزلاق مجدداً إلى المواجهة العسكرية المباشرة التي أثقلت كاهل البلاد.
هذه التحولات لا تنفصل عن حالة السأم الشعبي المتصاعدة من انسداد الأفق السياسي، واحتكار عائلتين نافذتين – آل حفتر في الشرق وآل الدبيبة في الغرب – لدوائر القرار والموارد. فقد بات الليبيون، بعد سنوات من الفوضى، يبحثون عن مظلة أمنية وسياسية مستقرة، حتى وإن جاءت على حساب الشعارات الثورية القديمة. ومن هذا المزاج العام تستمد القوى المتنافسة دوافعها الجديدة في محاولة إعادة إنتاج نفوذها بطرق أقل صداماً وأكثر حساباً.
نفوذ عائلة حفتر
في الشرق، يواصل المشير خليفة حفتر تعزيز سلطته عبر تمدد تدريجي لقوات “الجيش الوطني الليبي” من معاقله التقليدية في بنغازي والمرج والبيضاء إلى مناطق الجنوب والوسط. وتُظهر التحركات الأخيرة نحو سبها والقطرون وبراك الشاطئ اتجاهاً متصاعداً لتوسيع الحضور الجغرافي للقيادة العامة، بما يعكس رغبات قبائلية متزايدة في “الاستقرار الأمني” ورفضاً للفوضى التي تشهدها مناطق الغرب. كما أن التغييرات التي جرت داخل البنية القيادية للجيش، من خلال تعيين صدّام وخالد حفتر في مواقع متقدمة، أسهمت في تثبيت نفوذ العائلة وتهيئة الأرضية لانتقال تدريجي في مركز القرار العسكري والسياسي.
اللافت في هذه التحركات أنها لم تقتصر على البعد العسكري، بل شملت بعداً اجتماعياً وسياسياً متنامياً. فحفتر يسعى بوضوح إلى بناء قاعدة شرعية جديدة تستند إلى المصالح المحلية للقبائل والمدن، وإلى إشراكها في إدارة مناطقها تحت مظلة الجيش. وقد عبّر لقاء بنغازي الذي جمعه بوفد من أعيان الزنتان عن هذا التوجه بوضوح، إذ حمل اللقاء رمزية كبيرة كونه جمع بين الشرق والغرب بعد سنوات من الجفوة. وقد صرح أحد المشاركين من الوفد قائلاً إن مشروع “الكرامة” يمثل “طوق النجاة للوطن”، في إشارة إلى القبول المتزايد – ولو النسبي – لفكرة أن المؤسسة العسكرية يمكن أن تكون ضامناً للأمن، بعد فشل الحكومات المدنية في فرض سيطرتها.
الدبيبة وتحالف الفصائل المسلحة
هذا الانفتاح بين الشرق وبعض مدن الغرب لا يعني مصالحة حقيقية بعد، لكنه يشير إلى بداية ذوبان تدريجي للعداوات القديمة، ونشوء اصطفافات اجتماعية جديدة تتجاوز خطوط الجبهة السابقة. فعدد من القبائل في الغرب والجنوب باتت تميل إلى التنسيق مع القيادة العامة في بنغازي، نتيجة لتآكل الثقة في التشكيلات المسلحة التابعة لحكومة طرابلس، والتي يُنظر إليها على نطاق واسع بأنها سبب رئيسي في استمرار الفوضى الأمنية. كما أن بعض القوى المحلية باتت ترى في حفتر، رغم طابعه العسكري والعائلي، خياراً “منظماً” أكثر من سلطة تتنازعها الميليشيات والمصالح الفردية.
في المقابل، تعيش حكومة الوحدة الوطنية في الغرب حالة انكماش واضحة. فعبد الحميد الدبيبة، الذي لا يزال يسيطر على العاصمة طرابلس بفضل تحالفات مع فصائل مسلحة قوية، يواجه تراجعاً ملحوظاً في قدرته على ضبط الإيقاع الأمني والسياسي. الاشتباكات التي وقعت في مايو الماضي بين قواته و”جهاز الردع” بقيادة عبد الرؤوف كارة أظهرت هشاشة منظومته الأمنية. كما أن حالة التوتر المتكرر بين الميليشيات في طرابلس ومصراتة وغريان، تضعف صورة الحكومة وتؤكد غياب مؤسسات قادرة على إدارة المشهد الوطني.
مسارات الجيش الوطني الليبي
وعلى الرغم من محاولات الدبيبة توسيع نفوذه نحو الجنوب الغربي عبر “اللواء 444 قتال”، فإن وجوده في تلك المناطق لا يزال محدوداً، فيما يتقدم نفوذ الجيش الوطني بشكل أوسع في الجنوب الأوسط والشرقي. ويحاول رئيس الحكومة تعويض هذا الضعف عبر تحركات سياسية وخدمية، منها دعم البلديات التابعة لطرابلس مالياً، وتوثيق العلاقات مع مدن مثل ترهونة التي تميل أحياناً للتنسيق مع الشرق. غير أن هذه التحركات لم تنجح بعد في وقف التراجع النسبي لموقعه أمام تمدد معسكر حفتر.
التحركات الإقليمية والدولية تعكس بدورها هذا التغير في الموازين. فالجولات الخارجية التي قام بها صدّام وخالد حفتر إلى تركيا وإيطاليا والولايات المتحدة واليونان ومصر وروسيا وبيلاروسيا، تعزز صورة القيادة العامة كفاعل منفتح على الجميع، وقادر على المناورة بين المحاور المتنافسة. ويبدو الانفتاح على موسكو ومينسك الأكثر عمقاً، في ظل ما يتردد عن تعاون عسكري ولوجيستي متزايد. أما أنقرة، التي كانت الحليف الأبرز لمعسكر الغرب خلال حرب طرابلس، فقد أظهرت في الأشهر الأخيرة ميلاً إلى البراغماتية، إذ تترك الباب موارباً أمام التنسيق مع حفتر، انطلاقاً من قراءة واقعية لتبدل توازنات القوى.
في الجنوب، يواصل “الجيش الوطني الليبي” تعزيز حضوره المؤسسي، لا العسكري فحسب. فقد دشّن خلال الأشهر الأخيرة مشاريع خدمية وتنموية في سبها وغيرها، في محاولة لترسيخ الانطباع بأنه يمثل سلطة قادرة على إدارة المناطق وتأمين الخدمات، وليس مجرد قوة أمنية. هذا المسار يُعد تحولاً لافتاً من منطق السيطرة العسكرية إلى منطق بناء الشرعية المحلية، وهو ما قد يشكل نواة لإعادة تشكيل الخريطة السياسية في البلاد إذا ما استمر.
غياب أفق سياسي واضح
ومع ذلك، يبقى غياب الرؤية السياسية الواضحة أبرز معضلات المعسكر الشرقي. إذ لا تزال القيادة العامة تفتقر إلى تصور متكامل لإدارة الدولة في حال غياب حفتر أو انتقال السلطة داخلياً. فالمشهد الذي يبدو متماسكاً ظاهرياً يخفي هشاشة بنيوية ناجمة عن الطابع العائلي للقيادة، واعتمادها على الولاءات الشخصية أكثر من المؤسسات الدائمة. وفي الوقت ذاته، فإن استمرار الانقسام المؤسسي بين الشرق والغرب، وغياب حكومة موحدة، يجعل البلاد عرضة لتوازن هش قابل للاهتزاز عند أول اختبار حقيقي.
أما في الجبل الغربي، فتستمر مراكز التوازن الصغيرة بين الزنتان وغريان ونالوت في لعب دور الموازن بين القوتين الرئيسيتين. فالزنتان، رغم تمتعها باستقلال نسبي، تميل أحياناً إلى التقارب مع الشرق، بينما تبقى غريان أكثر التصاقاً بحكومة طرابلس لأسباب إدارية وأمنية. هذا التباين المحلي يعكس الطبيعة الفيدرالية غير المعلنة للمشهد الليبي الراهن، حيث تتعامل المدن والقبائل مع كل من الحكومتين بوصفهما سلطتين أمر واقع، تبعاً للمصالح الاقتصادية والخدمية المباشرة.
الملاحظ أن كل هذه التحركات تجري في ظل غياب أفق سياسي واضح أو عملية انتخابية متفق عليها. فالأمم المتحدة فشلت في دفع الأطراف نحو مسار انتخابي شامل، والقوى الدولية تتعامل مع كل طرف على حدة وفقاً لمصالحها الخاصة، ما يجعل ليبيا عالقة في منطقة رمادية تحكمها البراغماتية. ورغم أن الحرب المباشرة لم تعد مطروحة في المدى القريب، فإن الجمود السياسي قد يتحول إلى صراع بارد طويل الأمد، تُدار فيه البلاد بعقلية “التحوط” لا الإصلاح.
في هذا السياق، تبرز دعوات حفتر المتكررة إلى “حراك شعبي سلمي لإنهاء الوضع المزري”، والتي يقرأها البعض كمحاولة لتعبئة جماهيرية تمهّد لدور سياسي أوسع، وربما لإعادة إنتاج نفوذ الجيش في شكل مدني. ويرى السفير الليبي إبراهيم قرادة أن لقاءات حفتر مع وفود من أعيان القبائل في الشرق والجنوب والغرب قد تكون مؤشراً على استعداد لمفاوضات داخلية أو لمبادرة لإعادة ترتيب السلطة، في ظل إرهاق شعبي متزايد من الشلل الراهن.
صراع حفتر والدبيبة
يبدو أن ليبيا تدخل فعلاً مرحلة مختلفة، لا حرب فيها ولا سلام حقيقي. مرحلة تتقاطع فيها المصالح المحلية مع حسابات الخارج، ويتحرك فيها كل طرف بخطوات محسوبة لتوسيع نفوذه دون كسر التوازن. وبينما يحاول حفتر استثمار رصيده الأمني والاجتماعي لتكريس واقع جديد، يسعى الدبيبة للحفاظ على شرعيته كحكومة معترف بها دولياً، لكن دون أدوات حقيقية للتمدد. أما المواطن الليبي، فيبقى عالقاً بين سلطتين متنازعتين، يبحث في ظلّهما عن حد أدنى من الاستقرار، بعد أن أنهكته ويلات الانقسام وتكرار الأزمات.
وهكذا، فإن المشهد الليبي الراهن لا يشي بحسم قريب، بل بتعايش هشّ تحت مظلة البراغماتية، في انتظار معادلة جديدة قد تفرضها المتغيرات الداخلية أو ضغوط الخارج. وحتى يحدث ذلك، ستظل ليبيا عالقة في منتصف الطريق بين الدولة والفوضى، وبين الرغبة في التغيير والخشية من تكرار الانفجار.






