وسط الحصار الخانق، وبين ركام المنازل المحطمة عند شارع الرشيد في قطاع غزة، تظهر عائلة إبراهيم أبو جبل لتجسد فصلاً استثنائياً من فصول الصمود، حيث تحولت خيمتهم الصغيرة إلى ورشة عمل يدوية لإعادة بعث الحياة في “الإسمنت المتحجر”، وفي مشهد يمتزج فيه الغبار بعرق الجبين، يسابق إبراهيم وزوجته وأطفاله الزمن، مستخدمين أدوات بدائية صنعت من بقايا القذائف، لترميم ما دمره العدوان وتأمين لقمة العيش في ظل انعدام مواد البناء الأساسية.
أمل وسط المعاناة
إبراهيم وهو معيل لتسعة أفراد، يستخدم قطعة حديد ومطرقة صنعهما بنفسه من بقايا قذيفة دبابة “إسرائيلية”، ليكسر بهما كتل الإسمنت الصلبة التي فقدت جزءًا كبيرًا من خصائصها. يطرق الكتل واحدة تلو الأخرى ليحوّلها إلى أجزاء صغيرة يمكن العمل عليها. حسب وكالة شهاب.
يقف إلى جانب إبراهيم، ابنه فارس، صاحب فكرة المشروع، بعد أن يكسر والده الكتل، يقوم فارس بتحميصها على لوح معدني فوق النار، يزيح الدخان عن وجهه ويسعل من الغبار، لكنه يواصل العمل. بعد التحميص، تنقل العائلة الإسمنت إلى مفرش كبير، حيث يبدأ الجميع مرحلة الغربلة بأدوات بسيطة وبأيديهم مباشرة، وبينما تراقب الأم أطفالها، تقول، “هؤلاء الأطفال من المفترض أن يتواجدوا على مقاعد الدراسة، لكن للأسف هم يعملون في هذا العمل الشاق، لأنه لا توجد قدرة على جلب عمّال ودفع أجور لهم”.
تعذيب جسدية ونفسية في سجون الاحتلال
ويروي فارس كيف يحصل على الإسمنت المتحجّر، “كل يوم أذهب إلى المغراقة في المحافظة الوسطى بقطاع غزة، وأقوم بالحفر تحت البيوت المدمرة بحثًا عن هذه الكتل، ثم أحملها على توك توك إلى الخيمة”. مشيرًا إلى أنه تم اعتقاله لدى سجون الاحتلال لمدة شهرين، ويحاول بكل الطرق التخلص من الآثار النفسية التي تركها السجن والتعذيب في داخله. حسب وكالة شهاب.
وكشف أنه ذهب إلى 10 أطباء نفسيين لمعالجة آثار التعذيب الجسدية والنفسية، لكن هذا المشروع وانشغاله فيه يخففان عنه ما عاناه داخل السجن. ورغم صعوبة العمل، تنتج العائلة نحو 7 أكياس إسمنت يوميًا، تتراوح أوزانها بين 25 و70 كيلوغرامًا، ويباع الكيس الكبير بحوالي 200 دولار بسبب غياب الإسمنت من الأسواق.
تعكس قصة عائلة أبو جبل جانبًا من الضيق الذي يعيشه سكان غزة في ظل انعدام الإسمنت ومواد البناء، وهو نقص يضيف عبئًا جديدًا إلى حياة مثقلة بالحصار والظروف القاسية. وفي محاولة لتأمين دخل بسيط، تعمل العائلة لساعات طويلة، تكسر الكتل المتحجّرة وتعيد غربلتها بجهد شاق لا يختاره أحد طوعًا، ورغم التعب الذي يرهقهم والظروف التي تحاصرهم من كل اتجاه، يواصل أفراد العائلة عملهم بإصرار وسط واقع لا يرحم خلفه الاحتلال.




