تعكس الضربات الأميركية، ضد تنظيم «داعش» في سوريا، لحظة كاشفة في مسار المواجهة الدولية مع تنظيم لم يُهزم بقدر ما أعاد تعريف نفسه. الهجوم الذي استهدف جنودًا أميركيين في تدمر، وما تبعه من عملية عسكرية وُصفت بأنها «انتقامية». تتزامن هذه التطورات مع مشهد إقليمي ودولي بالغ التعقيد، تتداخل فيه إعادة التموضع العسكري الأميركي في الشرق الأوسط.
إعلان دمشق التزامها بمحاربة التنظيم في سياق انضمامها إلى التحالف الدولي.، تُقرأ الضربات بوصفها رسالة ردع مباشرة، فإنها في العمق تعكس إدراكًا متزايدًا بأن خطر داعش لم يعد يُقاس بعدد المناطق التي يسيطر عليها، بل بقدرته على التكيف، واستغلال الفراغات الأمنية، وتصدير العنف إلى مسارح بعيدة جغرافيًا عن معاقله التقليدية.
هجمات موسعة على مواقع داعش
قراءة الضربات الأخيرة لا تكتمل من دون وضعها ضمن هذا التحول البنيوي في طبيعة التهديد الداعشي، الذي بات عالميًا ومتعدد الأوجه، ويطرح تحديات جديدة على الاستراتيجيات التقليدية لمكافحة الإرهاب، تتجاوز منطق «الضربة العسكرية» إلى أسئلة أعمق تتعلق بالأمن، والفكر، والفضاء الرقمي، وحدود القوة الصلبة في مواجهة تنظيم لا يزال، رغم انكساره، قادرًا على إعادة إنتاج نفسه.
وجاءت الضربة الأميركية ضد تنظيم داعش في سوريا، تنفيذًا لتهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديدَه بالانتقام من تنظيم التنظيم على خلفية مقتل 3 أميركيين، هم جنديان ومترجم، بهجوم قام به متطرفٌ في تدمر بالبادية السورية، السبت قبل الماضي. وشملت ضربات أميركية، فجر الجمعة، 70 هدفاً لـ«داعش» في بوادي دير الزور وحمص والرقة. واستمرت الغارات نحو خمس ساعات وشاركت في تنفيذها طائرات ومروحيات وراجمات صواريخ من نوع «هيمارس». كما أعلن الأردن مشاركة طائراته في الهجوم. حسب الشرق الأوسط.
بعد الهجمات الموسعة التي استهدفت مواقع عدة لداعش في سوريا، ليل الجمعة، أعلن الجيش الأردني، السبت، مشاركة قواته الجوية في الضربات الأميركية ضد أهداف للتنظيم الإرهابي في جنوب الأراضي السورية. وذكر الجيش في بيان أن هذه العملية في إطار الحرب على الإرهاب ومنع التنظيمات المتطرفة من استغلال هذه المناطق كنقاط انطلاق لتهديد أمن الجوار السوري والمنطقة، خاصة بعد أن أعاد تنظيم داعش من إنتاج نفسه وبناء قدراته في جنوب سوريا، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الأردنية. حسب العربية.
تكثيف العمليات العسكرية
وكان الجيش الأميركي أعلن أنه “ضرب أكثر من 70 هدفاً في أنحاء متفرقة وسط سوريا بواسطة طائرات مقاتلة ومروحيات هجومية ومدفعية”، مضيفا أنه تم استخدام “أكثر من 100 نوع ذخيرة موجهة بدقة” ضد مواقع يسيطر عليها داعش”. في حين، أفاد الرئيس الأميركي بأن العملية ضد داعش أتت رداً على استهداف قوات أميركية في تدمر الأسبوع الماضي.
بدورها، أكدت وزارة الخارجية السورية في بيان، أن الحكومة ملتزمة “بمكافحة داعش وضمان عدم وجود ملاذات آمنة له في الأراضي السورية”. وشددت على أن السلطات “ستواصل تكثيف العمليات العسكرية ضد التنظيم في جميع المناطق التي يهددها”. وانضمت دمشق رسميا إلى التحالف الدولي ضد داعش خلال زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن الشهر الماضي.
تزايد مركز الثقل العملياتي للتنظيم
وعن خريطة داعش في الشرق الأوسط، كشف المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب، عن دراسة ذكر فيها أن هجمات تنظيم داعش لم تعد متركزة في سوريا والعراق كما كانت خلال ذروة تمدده الإقليمي. فالمعطيات الحديثة تشير إلى تحوّل جغرافي واضح في طبيعة ونطاق النشاط الذي يعلن التنظيم مسؤوليته عنه أو يُنسب إليه بوصفه هجمات “مستلهمة” من فكره وأيديولوجيته. وبينما لا يزال داعش حاضرًا في معاقله التقليدية في الشرق الأوسط، فإن مركز الثقل العملياتي للتنظيم بات، على نحو متزايد، خارج هذين البلدين، في إطار استراتيجية تكيفية تعكس تراجع قدرته على السيطرة الميدانية مقابل توسع نفوذه غير المباشر عالميًا.
وحسب الدراسة، تكشف الهجمات الإرهابية خلال العام 2025 المتعلقة بادعاءات داعش بتنفيذ هجمات عن هذا التحول بوضوح. ففي الفترة ما بين عامي 2019 و2020، كانت الغالبية من العمليات التي تبناها التنظيم تتركز في سوريا والعراق، حيث كان لا يزال يحتفظ بجيوب نفوذ وخلايا نشطة قادرة على شن هجمات متكررة. أما خلال عامي 2023 و2024، فقد انخفضت نسبة الهجمات المنسوبة إلى هذين البلدين إلى أقل من الثلث، في مقابل تصاعد ملحوظ في عدد العمليات التي سُجلت في مناطق أخرى من العالم. وعلى الرغم من أن العدد الإجمالي للهجمات التي يعلنها التنظيم قد تراجع بشكل كبير مقارنة بالسنوات السابقة، وهو ما يعكس تآكل قدراته الإقليمية، فإن هذا التراجع لا يعني اختفاء التنظيم أو انتهاء خطره.
التنظيم لا يزال قادرًا على استغلال الفراغات الأمنية
ووفقا للمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب، يُظهر الواقع الميداني أن داعش انتقل من النموذج “المركزي” التي تسيطر على أراض، إلى نموذج شبكي لا مركزي يعتمد على الخلايا الصغيرة، والفروع الإقليمية، والأفراد المتأثرين بدعايته. وقد تجسد هذا التحول في سلسلة من الأحداث الأخيرة التي وقعت خلال فترة زمنية قصيرة وفي مناطق جغرافية متباعدة. ففي غضون خمسة أيام فقط، سُجلت هجمات مرتبطة بداعش في سياقات مختلفة تمامًا، ما يؤكد الطابع العالمي للتهديد الذي بات يمثله التنظيم. في سوريا، تعرض أفراد من القوات الأمريكية لهجوم وصفته القيادة المركزية الأمريكية بأنه كمين نفذه مسلح واحد مرتبط بتنظيم داعش.
يُعد هذا الهجوم الأول من نوعه منذ سقوط النظام السوري السابق، ما أضفى عليه دلالة خاصة. وأشار مسؤول في وزارة الدفاع الأمريكية إلى أن التقييمات الأولية ترجح مسؤولية داعش عن العملية، في مؤشر على أن التنظيم لا يزال قادرًا على استغلال الفراغات الأمنية وتنفيذ هجمات نوعية، وإن كانت محدودة النطاق. وبعد هذا الحادث، شهدت مدينة سيدني الأسترالية هجومًا استهدف تجمعًا يهوديًا على شاطئ بوندي، نفذه مسلحان وُصفا بأنهما مستلهمان من فكر داعش، ما أبرز امتداد تأثير التنظيم إلى مجتمعات بعيدة جغرافيًا عن مناطق الصراع التقليدية.
انخفاض عدد الهجمات المنسوبة إلى داعش
في سوريا والعراق، يظل داعش تهديدًا أمنيًا قائمًا، لكنه لم يعد بالقوة نفسها التي كان عليها في السابق. فالتنظيم فقد سيطرته على الأراضي بشكل كامل، وتراجعت قدراته العملياتية إلى حد كبير نتيجة الضربات العسكرية المستمرة، والتنسيق الأمني بين القوات المحلية والدولية. وفي سوريا تحديدًا، انخفض عدد الهجمات المنسوبة إلى داعش بشكل ملحوظ مقارنة بالسنوات التي أعقبت هزيمته الإقليمية المباشرة. ومع ذلك، لا تزال مستويات التهديد مرتفعة نسبيًا، لا سيما في ظل المتغيرات السياسية الأخيرة.
وأدى انضمام سوريا إلى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لمكافحة داعش إلى إثارة غضب جماعات متطرفة وأنصار التنظيم ما يعزز احتمالات عودة النشاط المتطرف في بعض المناطق الهشة أمنيًا. أما في العراق، فلا يزال داعش حاضرًا، لكن نشاطه يقتصر في الغالب على خلايا صغيرة تعمل في مناطق نائية أو متنازع عليها، وتنفذ هجمات متفرقة لا ترقى إلى مستوى الحملات المنظمة التي كان يشنها في السابق. ويعكس هذا الواقع نجاحًا نسبيًا للقوات العراقية في احتواء التنظيم، لكنه في الوقت نفسه يبرز صعوبة القضاء عليه نهائيًا في ظل العوامل البنيوية التي ما زالت توفر بيئة مواتية لعمله.






