أعلن البنك المركزي التونسي عن تسجيل ارتفاع جديد في احتياطي النقد الأجنبي، ليصل إلى أكثر من 8.4 مليار دولار حتى يوم 19 أغسطس 2025، بما يغطي نحو 105 أيام توريد. ويُعد هذا التطور خطوة مهمة في مسار تعافي الاقتصاد الوطني الذي واجه في السنوات الأخيرة ضغوطًا مالية متزايدة نتيجة ارتفاع فاتورة الواردات وتراجع بعض الموارد الحيوية.
الأرقام تتحدث: من 101 إلى 105 أيام
أبرزت بيانات البنك المركزي أن تونس انتقلت خلال أسابيع قليلة من مستوى 101 يوم توريد إلى 105 أيام، وهو ما يعكس تحسّنًا ملموسًا في رصيد العملة الصعبة.
وتُقدَّر هذه الاحتياطيات بما يقارب 24.231 مليار دينار، مقارنة بـ23.277 مليار دينار بداية الشهر الجاري، ما يمنح البلاد هامش أمان أكبر أمام الالتزامات الخارجية.
السياحة والتحويلات في المقدمة
ويرجع هذا التحسّن بالأساس إلى انتعاش إيرادات القطاع السياحي التي بلغت حوالي 3.9 مليار دينار خلال النصف الأول من العام، بالإضافة إلى تحويلات التونسيين بالخارج التي قاربت 4 مليارات دينار.
هذان القطاعان ظلا بمثابة رئة مالية تدعم الاقتصاد في ظل تراجع بعض القطاعات الإنتاجية الأخرى.
وأظهرت التقارير الرسمية أن النمو الاقتصادي في تونس بلغ 2.4 % خلال النصف الأول من 2025، فيما تراجعت نسبة البطالة إلى 15.3 % مقابل 15.7 % في الربع الأول من العام.
ورغم أن هذه المؤشرات ما تزال دون الطموحات، فإنها تشير إلى بداية مسار تعافٍ اقتصادي تدريجي يحتاج إلى تثبيت وتعزيز.
تحديات لا تزال قائمة
على الرغم من هذه الأرقام الإيجابية، يحذّر خبراء من أن تونس لا تزال أمامها تحديات اقتصادية عميقة، أبرزها حاجتها إلى إصلاحات تشريعية تُشجّع الاستثمار وتقلّص البيروقراطية.
كما يلفت المختصون إلى ضرورة مراجعة بعض القوانين التي تعيق حركة رأس المال، مثل قانون الشيكات، إلى جانب الحاجة إلى إصلاحات جبائية ومالية أوسع.
المشهد في سياق إقليمي
ارتفاع الاحتياطي النقدي في تونس يضعها في موقع أفضل مقارنة ببعض الدول في المنطقة التي تعاني من ضغوط أشد على عملاتها المحلية.
غير أن محللين يعتبرون أن استدامة هذا التحسن رهينة بمدى قدرة الحكومة على تنويع مصادر النقد الأجنبي وعدم الاكتفاء بالرهان على السياحة والتحويلات فقط.
الاستقرار النقدي وتأثيره على التضخم
زيادة رصيد العملة الصعبة تعني قدرة البنك المركزي على التدخل بشكل أقوى لضبط سعر الصرف وحماية الدينار التونسي من ضغوط السوق الموازية.
ويرى مراقبون أن هذا العامل قد يساهم تدريجيًا في تخفيف نسب التضخم، التي مثّلت واحدة من أكثر التحديات إلحاحًا على معيشة التونسيين في السنوات الأخيرة.
التمويل الخارجي.. ورهان الصناديق الدولية
تعافي الاحتياطي النقدي قد يُعزّز أيضًا موقع تونس في مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي والمؤسسات المانحة، إذ يوفّر لها هامشًا أكبر للمناورة ويعكس التزامًا بتحسين التوازنات المالية.ويرى خبراء أن استقرار الاحتياطي يُعد رسالة إيجابية للشركاء الدوليين حول جدية تونس في مسار الإصلاحات.
وتلعب مستويات الاحتياطي النقدي دورًا محوريًا في استعادة ثقة المستثمرين الأجانب، خصوصًا في القطاعات الصناعية والتكنولوجية. فكلما ارتفع حجم الغطاء النقدي، كلما شعر المستثمرون بأن البيئة الاقتصادية أكثر أمانًا وأقل عرضة للتقلبات المفاجئة.
خطوة أولى في طريق طويل
رغم الإيجابية التي حملتها أرقام البنك المركزي، تبقى هذه الخطوة مجرد بداية لمسار أطول نحو تحقيق نمو شامل ومستدام. ويبقى التحدي الأكبر أمام تونس هو تحويل هذه المؤشرات المالية إلى واقع معيشي ملموس، عبر استقرار الأسعار وتوفير فرص العمل وجذب استثمارات نوعية.
وبينما يراقب الداخل والخارج هذا التطور، تبقى الأنظار متجهة إلى مدى قدرة الدولة على تثبيت مكتسباتها وتوسيع دائرة التحسن في الفترة المقبلة.






