بدأت مدينة عدن، العاصمة المؤقتة لليمن، تلتقط أنفاسها من جديد، مع تحسن ملموس في الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، بالتوازي مع انطلاق خطة شاملة لإخراج القوات العسكرية من داخل الأحياء السكنية، في خطوة طال انتظارها من سكان المدينة منذ عقود، وتهدف إلى ترسيخ الطابع المدني وتعزيز الاستقرار الأمني.
إعادة ترتيب المشهد الأمني
تأتي هذه الإجراءات ضمن خطة يشرف عليها تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، في إطار جهود إعادة ترتيب المشهد الأمني والعسكري داخل المدينة، التي عانت طويلاً من تداعيات الصراعات المسلحة، وانعكاساتها السلبية على الحياة اليومية ودورها الاقتصادي الحيوي.
ولم يكن مساء أمس الاثنين يوماً عادياً في عدن، حيث تجمّع مئات المواطنين قرب معسكر ومخازن الأسلحة في منطقة جبل حديد، لمتابعة انسحاب أرتال من قوات «ألوية العمالقة» من قلب المدينة، في مشهد عكس استجابة عملية لمطالب شعبية تعود إلى سبعينات القرن الماضي، بإخراج المعسكرات من المناطق السكنية.
وتسلمت وحدات من «قوات حماية أمن المنشآت» المواقع التي أُخليت، في إطار خطة أمنية تهدف إلى حصر الوجود داخل المدينة بالقوات النظامية المختصة، بما يضمن حماية المرافق الحيوية والحفاظ على الأمن العام.
خطة أمنية بطابع مدني
ووفق مصادر رسمية يمنية، فإن عملية إعادة التموضع تأتي ضمن جهود مشتركة بين السلطة المحلية في عدن وتحالف دعم الشرعية، وتركّز على تقليل المظاهر المسلحة داخل الأحياء، وتعزيز شعور الطمأنينة لدى المواطنين، والحفاظ على الهوية المدنية للمدينة.
وتنص الخطة، التي يشرف عليها اللواء الركن فلاح الشهراني، مستشار قائد القوات المشتركة في التحالف، على بقاء القوات الأمنية النظامية فقط داخل المدينة، وتشمل الشرطة، وأمن الطرق “النجدة”، وقوات الطوارئ، وأمن المنشآت، إضافة إلى الوحدات ذات الاختصاص الأمني.
وقبل تنفيذ الانسحابات بساعات، عقد وزير الدولة محافظ عدن عبد الرحمن شيخ اجتماعاً موسعاً مع قيادات عسكرية وأمنية رفيعة، شدد خلاله على أهمية الالتزام بالجدول الزمني لإعادة التموضع، وبما يراعي الاعتبارات الأمنية والتنظيمية، ويخدم المصلحة العامة وسكان المدينة.
تغييرات تنظيمية لافتة
وفي سياق متصل، أصدر عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي قراراً يقضي بتغيير مسمى «قوات الحزام الأمني» والوحدات التابعة لها إلى «قوات الأمن الوطني»، إلى جانب اعتماد شعار رسمي جديد، في خطوة اعتُبرت جزءاً من إعادة هيكلة المنظومة الأمنية، وتعزيز الطابع المؤسسي للدولة.
وبالتوازي مع الترتيبات الأمنية، شهدت عدن تحسناً لافتاً في قطاع الكهرباء، حيث أعلن اللواء فلاح الشهراني، عبر حسابه على منصة «إكس»، وصول ساعات الإضاءة اليومية إلى 14 ساعة، مقارنة بنحو 8 ساعات سابقاً، مؤكداً أن العمل مستمر لتحقيق استقرار مستدام في هذا القطاع الحيوي.
وأفادت مصادر عاملة في قطاع الكهرباء بأن الجهود تتواصل لمضاعفة القدرة التوليدية، من خلال تأمين الوقود لمحطات التوليد، ووقف أي تلاعب بكمياته، بالتزامن مع تحسين أداء شبكة المياه، التي يعاني جزء كبير من سكان المدينة من ضعفها بسبب تقادم الخزانات المركزية.
وأشارت المصادر إلى قرب الانتهاء من تسليم خزانات مياه جديدة، من شأنها تحسين وصول مياه الشرب النقية خلال فترة زمنية قصيرة.
إشادة بالدور السعودي
من جهتها، ثمّنت قيادة «قوات درع الوطن» عمق الشراكة الاستراتيجية مع السعودية، مشيدة بالنجاحات المحققة في قطاع الطاقة بعدن، واعتبرت ما تحقق انعكاساً لكفاءة الإدارة الميدانية، وحرص الرياض على تقديم حلول مستدامة تمس حياة المواطن اليمني بشكل مباشر.
وأكدت القيادة أن الدعم السعودي المتواصل يرسّخ دور المملكة بوصفها ركيزة أساسية للاستقرار والتنمية، ليس في اليمن فحسب، بل في المنطقة بأسرها.
جدير بالذكر أن مدينة عدن هي واحدة من أبرز المدن اليمنية ذات الثقل السياسي والاقتصادي، إذ شكلت لعقود طويلة مركزاً إدارياً وتجارياً مهماً على ساحل البحر العربي، قبل أن تتأثر بشكل كبير بسلسلة من الاضطرابات والصراعات المسلحة التي شهدتها البلاد منذ سبعينات القرن الماضي، وتفاقمت حدتها مع اندلاع الحرب في اليمن عام 2015، ما انعكس سلباً على البنية التحتية والخدمات الأساسية.
وخلال السنوات الماضية، تحولت أجزاء واسعة من عدن إلى مناطق ذات طابع عسكري، مع انتشار المعسكرات ومخازن السلاح داخل الأحياء السكنية، الأمر الذي أثار استياءً شعبياً متواصلاً ومطالب متكررة بإخراج الوحدات العسكرية من المدينة، حفاظاً على سلامة المدنيين، واستعادة الطابع المدني للعاصمة المؤقتة، وتهيئة بيئة أكثر استقراراً لجذب الاستثمار وإعادة الإعمار.
وتأتي خطة إعادة تموضع القوات العسكرية وتحسين الخدمات في سياق جهود تقودها الحكومة اليمنية بدعم من تحالف دعم الشرعية، بهدف تعزيز الأمن والاستقرار، وإعادة تفعيل مؤسسات الدولة، وتحسين الأوضاع المعيشية للسكان، وسط آمال بأن تمهّد هذه الخطوات لمرحلة جديدة تعيد لعدن دورها المحوري بوصفها عاصمة مؤقتة ومركزاً اقتصادياً فاعلاً في البلاد.




