بعد أكثر من عام ونصف من الإغلاق القسري لمعبر رفح، يواجه آلاف الفلسطينيين العالقين خارج قطاع غزة تحديًا إنسانيًا مستمرًا، حيث تجمع بين فرحة العودة ومرارة المعاناة المستمرة. قصة صباح صالح (65 عامًا) وعائلتها تجسّد الواقع الصعب الذي يعيشه العائدون، بين فقد الأحباء، والدمار الشامل للمنازل، والانتهاكات المتكررة على يد الاحتلال خلال الرحلات العابرة.
فتح المعبر جزئيًا بداية فبراير لم يخفف من وطأة المعاناة، بل كشف عن استمرار القيود والتفتيش المهين، مما يجعل رحلة العودة اختبارًا للقوة والصبر. ومع ذلك، تُظهر هذه العودة الإصرار الفلسطيني على البقاء والتشبث بالأرض والهوية، رغم الحصار والتهجير القسري، لتبقى غزة محور صمود وعنوانًا لمعاناة الشعب الفلسطيني، وحكاية آلاف المواطنين الذين ما زالوا ينتظرون الفرصة للعودة إلى حياتهم الطبيعية.
رحلة علاجية تتحول إلى غياب طويل
بعد رحلة العودة القاسية، تجلس صباح صالح (65 عامًا) في خيمة ابنها بمواصي خان يونس جنوب القطاع، منهكة من التعب، وحاملة ألم فقدان أبنائها وزوجها الذين قضوا تحت قصف الاحتلال لبيتهم في بلدة عبسان. تقول: خرجت من غزة برفقة زوجة ابني للعلاج في مصر في نيسان/أبريل 2024، بعد أن دمّر الاحتلال الإسرائيلي بيتنا، واستشهد زوجي فيصل (65 عامًا) وثلاثة من أبنائي: محمد (40 عامًا)، وعمر (38 عامًا)، وصقر (30 عامًا).
وتروي بصوت مثقل بالوجع: “خرجت من غزة برفقة زوجة ابني للعلاج في مصر في نيسان/أبريل 2024، ولم أكن أعلم أن تلك الرحلة العلاجية ستتحوّل إلى غياب طويل. بعد مغادرتي بفترة قصيرة، أغلق المعبر بالكامل عقب سيطرة الاحتلال، لنظلّ محاصرين خارج غزة رغم انتهاء علاجي. حسب وفا.
وتقول بصوت تختلط فيه الحسرة بالشوق: كنت أريد فقط أن أعود إلى غزة، لأعيش مع ابني أحمد الناجي الوحيد، وأحفادي، ومن تبقى لي من أحبابي. فرحت كثيرا عندما سمعت خبر فتح المعبر، شعرت أن العودة إلى أحبتها صارت ممكنة من جديد، لكن طريق العودة، كما تقول، لم يكن سهلاً. “كنت ضمن الدفعة الثانية التي دخلت غزة في 3 فبراير، وكانت الرحلة شاقة وطويلة، مليئة بساعات انتظار مرهقة، قبل أن تبدأ معاناتنا على الجانب الإسرائيلي”. وفقا لـ وفا.
تفتيش دقيق ومهين
وتصف ما جرى معها بالقول: تعرضنا لتفتيش دقيق ومهين، قيد جنود الاحتلال أيدينا، وغمّوا أعيننا، وتركونا لساعات طويلة في البرد القارس. ولم تتوقف المعاناة عند هذا الحد، إذ تقول بأسى يملأ صوتها: صادر جنود الاحتلال الأدوية التي كانت بحوزتي لاستكمال علاجي، إضافة إلى ألعاب بسيطة اشتريتها لأحفادي، ومنعوني من إدخالها إلى غزة، حتى الفرح الصغير لم يتركوني أحمله معي”.
وإلى جانب صالح، يجلس ابنها أحمد (35 عامًا) وأطفاله الثلاثة داخل خيمة صغيرة في مواصي خان يونس، بعد أن دمر الاحتلال منازل العائلة خلال الحرب، وسقط العشرات من أبناء العائلة بين شهيد وجريح. يقول أحمد: “فرحت كثيرًا بعودة أمي، وجودها بيننا يعوضنا جزءًا من الألم، رغم أننا نعيش في خيمة بعد أن استشهد والدي وإخوتي ودُمرت بيوتنا”. حسب وفا.
ويضيف، أن عودة والدته أعادت شيئًا من الدفء للعائلة المكسورة، حتى وإن كانت الظروف قاسية. وتقول الام صالح، “بصوت تختلط فيه الحنين بالحسرة: “أشتاق لتفاصيل الحياة البسيطة التي فقدتها قسرًا… لروائح البيت، ولأصوات أحفادي، وهم يركضون حولي، لكل شيء صغير كنت أعتبره عاديًا قبل أن أفقده”.
ذكريات التفتيش والانتظار والحرمان
وتضيف: “لم يكن قرار عودتي سهلًا، لكنه كان حاسمًا؛ فالعودة والبقاء هنا شكل من أشكال الإصرار على البقاء، ورسالة صريحة برفض كل محاولات التهجير الإسرائيلية التي تسعى لاقتلاع الفلسطيني من أرضه”. لكنها استدركت سريعًا، مشيرة إلى أن لحظة الارتياح سرعان ما اصطدمت بواقع قاسٍ. فالمدينة التي تركتها، غطتها مشاهد دمار واسعة لم تكن لتخطر على بالها. “غصّ قلبي وأنا أرى غزة التي غادرتها عامرة بالبيوت الجميلة تتحول إلى مدينة خيام، بلا ماء كافٍ، ولا علاج، ولا أبسط مقومات الحياة”، تقول صباح بصوت يفيض بالحسرة.
أما عبير (37 عامًا)، الابنة الوحيدة للسيدة صالح، فلم تتمالك دموعها وهي تعبر عن مشاعرها قائلة:”فرحتي بعودة أمي كبيرة، لكن الألم أكبر… ليت أبي وإخوتي كانوا معنا اليوم”. صباح ليست استثناءً، بل واحدة من مئات القصص التي يحملها المسافرون والعائدون عبر معبر رفح، حيث تختلط فرحة اللقاء بمرارة الفقد، وأمل العودة بذكريات التفتيش والانتظار والحرمان.
قتل الاحتلال منذ السابع من أكتوبر 2023 نحو 72 ألف فلسطيني، فيما أصيب أكثر من 171 ألفًا، ما يجعل قصتها واحدة من آلاف القصص التي توضح حجم المعاناة الإنسانية التي يعيشها العالقون والنازحون. بين فرحة العودة وألم الماضي، يبدأ العائدون رحلة جديدة في مواجهة واقع لم يعد كما كانوا يعرفونه، حيث تبقى الأسئلة عن المفقودين والمنازل المهدمة والمستقبل المجهول حاضرة في كل خطوة. حسب بيانات وزارة الصحة الفلسطينية.



