في مشهد بات يتكرر كل صباح في غزة، استيقظ سكان جباليا، شمال القطاع، على دوي صواريخ سقطت على مركز للشرطة يقع في قلب سوق شعبي مكتظ، ليتحول المكان في لحظات إلى بقعة من الدم والدخان. عشرة قتلى على الأقل، وعشرات الجرحى، وفق وزارة الصحة في غزة، بينما لا تزال فرق الإنقاذ تحاول انتشال المصابين وسط ركام الخراب.
لكن خلف هذا المشهد الإنساني الكارثي، تكمن رسائل سياسية وعسكرية لا يمكن تجاهلها. فالجيش الإسرائيلي، الذي أعلن مسؤوليته عن الهجوم، قال إنه استهدف مركزًا للقيادة والتحكم تستخدمه “حماس” و”الجهاد الإسلامي” لتنسيق عمليات ضد القوات الإسرائيلية. بيان يبدو وكأنه يعيد تكرار منطق الضربات “الاستباقية”، لكنه هذه المرة يأتي في لحظة مغايرة تمامًا لما سبقها.
تكثيف الهجمات في هذا التوقيت ليس مجرد رد عسكري تقليدي، بل يحمل دلالة استراتيجية أوسع: إسرائيل بصدد إعادة رسم خرائط السيطرة على الأرض في قطاع غزة، مدفوعة بتحول في عقيدتها الأمنية التي باتت تنظر إلى كل نقطة تجمع مدني ذات بعد تنظيمي على أنها “هدف مشروع”، وهو ما يعكس تآكلًا تدريجيًا في مفهوم “التمييز” بين المدني والعسكري، تحت ذريعة القضاء على البنى التحتية للمقاومة.
فمنذ فشل جهود الوساطة الأخيرة في التوصل إلى هدنة، بدا واضحًا أن القيادة الإسرائيلية، وبدعم غير معلن من المؤسسة العسكرية، اختارت تكثيف الضغط الميداني، لتقليص مساحة المناورة أمام “حماس” وفرض معادلة جديدة تقوم على استنزاف القوة البشرية والتنظيمية للحركة. ولا يمكن فصل غارة جباليا عن هذه الاستراتيجية، خاصة وأنها استهدفت مركزًا رسميًا في منطقة شديدة الاكتظاظ، ما يوحي بأن الرسالة تتجاوز البعد العسكري نحو تحطيم ما تبقى من قدرة السلطة المحلية على الصمود.
لكن هذا التصعيد يرتبط أيضًا باعتبارات خارجية. فمع اقتراب زيارة مسؤولين إسرائيليين إلى واشنطن لبحث مستقبل العملية في غزة، تحاول تل أبيب أن تذهب إلى طاولة التفاوض ميدانيًا من موقع قوة، بعد أن فشلت في فرض “صورة النصر” منذ بداية الحرب. كما أن الغارات المكثفة تخدم هدفًا داخليًا: امتصاص ضغط الشارع الإسرائيلي الغاضب من استمرار احتجاز رهائن لدى حماس، ومن فشل الحكومة في تقديم إنجاز ملموس منذ السابع من أكتوبر.
في المقابل، فإن استمرار استهداف الأسواق والمراكز الشرطية يعمّق حالة الفوضى في غزة، ويدفع بالسكان إلى فقدان ما تبقى من ثقة بالبنية المدنية التي يُفترض أن تحمي الحد الأدنى من الاستقرار في وقت الحرب. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، ليس فقط في حجم الضحايا، بل في انهيار النظام المدني في الشمال، بما قد يؤدي إلى موجة نزوح جديدة، أو حتى فراغ أمني تستغله جماعات أكثر تطرفًا.
المعادلة التي تحاول إسرائيل تكريسها الآن هي أن لا تهدئة دون تفكيك المقاومة، ولا صفقة تبادل دون استسلام كامل للشروط الأمنية. لكن الواقع على الأرض يشي بأن الغارات، مهما بلغت من ضراوة، لا تضمن إخضاع التنظيمات المسلحة، بل تعيد إنتاج الكراهية وتزيد من تعقيد الحلول السياسية، وهو ما سيجعل من كل ضربة “ناجحة” وقودًا جديدًا لحرب طويلة الأمد في غزة، وربما في ما هو أبعد منها.






