في خان يونس جنوب قطاع غزة، لم يكن رحيل الرضيعة غدير بريكة ذات الخمسة أشهر مجرد فقد لطفلة صغيرة، بل صار مرآة تعكس مأساة جيل كامل يواجه الموت جوعًا. غدير، التي وُلدت على وقع أصوات القصف وأزيز الطائرات، لم تعرف من الدنيا سوى حضن والدتها وصرخات جوع متكررة لم تجد لها ما يُسكتها سوى القليل من الماء أو جرعات متقطعة من مسحوق الحليب، الذي كان يصل إلى العائلة على فترات متباعدة بفعل الحصار وشح المساعدات.
جسد أنهكه الجوع
لم تكن معاناة أسرتها مختلفة عن آلاف الأسر في القطاع، لكن جسد غدير الصغير لم يحتمل قسوة الظروف. ضعف متواصل، ونحول واضح في عينيها، وبكاء متقطع أنهكه الجوع، حتى خارت قواها شيئًا فشيئًا، وانتهى بها الحال جثمانًا ملفوفًا بغطاء أبيض خفيف، تحمله أيادٍ دامعة نحو مثواها الأخير.
في جنازتها، تعانقت دموع الأم مع وجع الجدات اللواتي ردّدن كلمات الفقد بحسرة: “ماتت قبل أن تتذوق طعم الحياة”. لم يكن بين المشيعين من هو قادر على طمأنة العائلة أو تبرير هذا الرحيل المبكر، فالكل يعرف أن غدير ليست الأولى ولن تكون الأخيرة.
رمز لمأساة كبرى
غزة اليوم تعيش مجاعة معلنة، حيث يواجه مئات الآلاف من الأطفال المصير نفسه، في ظل عجز المستشفيات عن توفير الغذاء العلاجي أو الحليب، وغياب أي ممرات آمنة تسمح بإنقاذ ما تبقى من الأرواح.
رحيل غدير بريكة تحوّل إلى رمز لمأساة كبرى، قصة صغيرة تحمل بين سطورها عجز المجتمع الدولي أمام كارثة إنسانية تتسع يوماً بعد يوم. طفلة بريئة لم تستطع مقاومة الجوع، لكنها تركت وراءها صرخة صامتة في ضمير العالم، صرخة تقول إن غزة لم تعد مكانًا للحياة، بل ميدانًا يُختبر فيه معنى الإنسانية، وتفشل فيه حتى الآن كل الشعارات والقرارات.






