شكّلت الاشتباكات العنيفة التي اندلعت في مدينة كراتشي عقب اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي مؤشراً لافتاً على اتساع دائرة الارتدادات الإقليمية للأزمة الإيرانية. محاولة اقتحام القنصلية الأمريكية، وسقوط قتلى وجرحى في مواجهات مع قوات الأمن، تعكس أن تداعيات الضربات الأمريكية–الإسرائيلية لم تبق محصورة في نطاق الجغرافيا الإيرانية أو الإسرائيلية، بل امتدت إلى مجتمعات إقليمية ترتبط بإيران بروابط مذهبية وسياسية عميقة.
في الحالة الباكستانية، لا يمكن فصل الغضب الشعبي عن البنية الديموغرافية والسياسية للبلاد. إذ يشكّل الشيعة نحو 15% من السكان، ويتمتعون بحضور تنظيمي واجتماعي مؤثر، ما يجعل أي حدث يمس رمزية دينية بحجم خامنئي عاملاً قادراً على تعبئة الشارع بسرعة. غير أن التحول من احتجاجات إلى مواجهات دامية يطرح تساؤلات حول قدرة الدولة على ضبط الإيقاع بين حرية التعبير ومتطلبات الأمن، خاصة عندما تتداخل المشاعر الدينية مع حسابات السياسة الخارجية.
اقتحام القنصلية الأمريكية
وقالت السلطات إن اشتباكات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن في مدينة كراتشي الساحلية الباكستانية أسفرت عن مقتل تسعة أشخاص على الأقل وإصابة أكثر من 50 آخرين يوم الأحد، بعد أن حاول مئات المتظاهرين اقتحام القنصلية الأمريكية. واندلعت أعمال العنف بعد ساعات من هجوم الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران واغتيال المرشد الأعلى للبلاد، آية الله علي خامنئي. وأفادت الشرطة ومسؤولون في مستشفى بكراتشي بإصابة 25 شخصاً على الأقل في الاشتباكات، بعضهم في حالة حرجة. حسب وكالة اسوشيتدت برس.
وأكدت سمية سيد طارق، وهي طبيبة شرعية في المستشفى الحكومي الرئيسي بالمدينة، أنه تم في البداية نقل ست جثث وعدد من الجرحى إلى المستشفى. إلا أنها أشارت إلى أن عدد القتلى ارتفع إلى تسعة بعد وفاة ثلاثة أشخاص كانوا في حالة حرجة.
وأعلنت السفارة الأمريكية في باكستان، في بيان لها بتاريخ X، أنها تتابع التقارير الواردة عن المظاهرات الجارية أمام القنصليتين الأمريكيتين العامتين في كراتشي ولاهور، بالإضافة إلى الدعوات لتنظيم احتجاجات إضافية أمام السفارة الأمريكية في إسلام آباد والقنصلية العامة في بيشاور. ونصحت السفارة المواطنين الأمريكيين المقيمين في باكستان بمتابعة الأخبار المحلية، والبقاء على دراية بما يحيط بهم، وتجنب التجمعات الكبيرة، والتأكد من تحديث بيانات تسجيل سفرهم لدى الحكومة الأمريكية.
احتجاجات واسعة ردًا على اغتيال خامنئي
وصرح المسؤول الأمني البارز عرفان بلوش بأن المتظاهرين هاجموا لفترة وجيزة محيط القنصلية الأمريكية، لكن تم تفريقهم لاحقاً. ونفى بلوش بشدة التقارير التي تفيد بإضرام النار في أي جزء من مبنى القنصلية، واصفاً إياها بأنها لا أساس لها من الصحة. ومع ذلك، أشار إلى أن المتظاهرين أضرموا النار في مركز شرطة مجاور وحطموا نوافذ القنصلية قبل وصول قوات الأمن واستعادة السيطرة على الوضع.
قال شهود عيان إن عشرات المتظاهرين الشيعة ظلوا متجمعين على بعد حوالي كيلومتر واحد من القنصلية، يحثون الآخرين على الانضمام إليهم. وأضافوا أن أحد المتظاهرين حاول إحراق نافذة القنصلية قبل وصول قوات الأمن وتفريق المتظاهرين. دفعت الاشتباكات وزير الداخلية محسن نقوي إلى إصدار نداء يدعو إلى الهدوء. وقال نقفي في بيان: “بعد استشهاد آية الله خامنئي، يشارك كل مواطن باكستاني الشعب الإيراني أحزانه”. ووصف ذلك بأنه “يوم حداد للأمة الإسلامية ولشعبي إيران وباكستان”، لكنه حث الناس على عدم أخذ القانون بأيديهم والتعبير عن احتجاجاتهم سلمياً. حسب وكالة اسوشيتدت برس.
كما حثت حكومة إقليم السند في بيان لها المواطنين على التعبير عن آرائهم سلمياً وحذرت من الانخراط في العنف. استمرت الاحتجاجات في المنطقة المحيطة بالقنصلية الأمريكية في كراتشي لساعات، حيث قام عشرات الشباب الشيعة، بعضهم يغطي وجوههم، برمي الحجارة على مسؤولي إنفاذ القانون وتعهدوا بالوصول إلى القنصلية، حيث تم نشر المئات من رجال الشرطة وقوات حرس الحدود شبه العسكرية.
شعارات مناهضة لإسرائيل والولايات المتحدة
في إسلام آباد، أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع ولوّحت بالهراوات عندما حاول مئات المتظاهرين الشيعة، الغاضبين من اغتيال خامنئي، التوجه نحو السفارة الأمريكية. ووقعت الاشتباكات خارج الحي الدبلوماسي، حيث تقع السفارة، وقد تم نشر تعزيزات أمنية إضافية.
وفي الوقت نفسه، في مدينة بيشاور شمال غرب البلاد، استخدمت السلطات أيضاً الغاز المسيل للدموع والهراوات لتفريق آلاف المتظاهرين الذين حاولوا الاقتراب من القنصلية الأمريكية لعقد تجمع للتنديد باغتيال الزعيم الإيراني، حسبما ذكرت الشرطة.
نظّم الشيعة مسيرة سلمية في ملتان، المدينة الواقعة في إقليم البنجاب، وهتفوا بشعارات مناهضة لإسرائيل والولايات المتحدة. وقالت مأمونة شيرازي، التي شاركت في المسيرة، إنها كانت تحتج على اغتيال خامنئي. ووصفته بأنه كان بمثابة الأب الروحي وصوتاً قوياً للشيعة، مضيفةً أنه كان أيضاً داعماً للمسلمين السنة الذين يواجهون الاضطهاد. وقالت: “بإذن الله، لن نخضع أبداً لأمريكا وإسرائيل”.
يشكل الشيعة نحو 15% من سكان باكستان البالغ عددهم حوالي 250 مليون نسمة، ويمثلون إحدى أكبر الطوائف الشيعية في العالم. وقد نظموا في الماضي مسيرات مناهضة لإسرائيل والولايات المتحدة، إلا أن الاشتباكات بهذا الحجم نادرة.






