تُعَدّ تصريحات رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، روحي فتوح، بشأن سحب سلطات الاحتلال لصلاحيات الإشراف على الحرم الإبراهيمي الشريف من بلدية الخليل وتحويلها لما يُسمى المجلس الديني التابع لمستوطنة “كريات أربع”، مؤشرًا خطيرًا على مرحلة جديدة من التهويد المنهجي، وخرقًا مباشرًا لكافة الاتفاقيات الدولية والقرارات الأممية التي تحفظ الوضع التاريخي والقانوني للمقدسات الإسلامية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. هذه التصريحات، وإن بدت امتدادًا لمواقف فلسطينية سابقة إزاء سياسات الاحتلال، إلا أنها هذه المرة تحمل دلالات غير مسبوقة من حيث الاتهام المباشر بخوض إسرائيل لحرب دينية واستعدادها لتفجير الأوضاع في المنطقة.
تهويد الحرم الإبراهيمي كمؤشر تصعيدي نوعي
الحرم الإبراهيمي، بوصفه أحد أهم الرموز الدينية الإسلامية في فلسطين، لطالما كان ساحة لتجاذب السيادة والسيطرة بين الفلسطينيين وسلطات الاحتلال، لاسيما منذ مجزرة 1994 التي ارتُكبت داخل الحرم على يد مستوطن يهودي وراح ضحيتها عشرات المصلين الفلسطينيين. ومنذ ذلك الوقت، بدأ الاحتلال بتكريس تقسيم مكاني وزماني قسري للحرم، ليُمنع المسلمون من دخوله في المناسبات الدينية اليهودية، مع تحويل جزء كبير من معالمه لاستخدام المستوطنين.
الخطوة الجديدة التي كشف عنها الإعلام العبري، والمتعلقة بنقل إدارة الحرم من بلدية الخليل إلى جهة استيطانية دينية، ليست مجرد إجراء إداري، بل هي ضم فعلي للحرم إلى بنية المستوطنات المحيطة به، بما ينزع عنه هويته الإسلامية ويمنح شرعية مفتعلة لهيمنة المستوطنين عليه. وفي هذا السياق، تمثل تصريحات فتوح قراءة دقيقة لخطورة هذه الخطوة بوصفها عدوانًا على الحق التاريخي والديني والقانوني للشعب الفلسطيني، وبداية تفكيك ممنهج للوضع القائم الذي تعترف به الهيئات الدولية وعلى رأسها اليونسكو.
من التهويد إلى التطهير العرقي
فتوح لم يكتف بوصف الخطوة الإسرائيلية بأنها مخالفة للقانون الدولي، بل وسّع الإطار التحليلي لها، معتبرًا إياها جزءًا من سياسة “تطهير عرقي شاملة” تتبعها حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف. هذا التصنيف ينطوي على دلالات قانونية وسياسية ثقيلة، إذ يشير إلى أن ما يجري ليس انتهاكًا متفرّقًا أو عابرًا، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى اقتلاع الفلسطينيين من أماكنهم الرمزية والتاريخية، وهو ما تكرّس في القدس، ويُعاد إنتاجه في الخليل، تحت مظلة حكومية متشددة.
هذا الاتهام ينقل المواجهة من إطارها المحلي إلى ساحة المحاكم والمؤسسات الدولية، ويمنح المجتمع الدولي مسؤولية مباشرة عن مساءلة إسرائيل على هذا النحو من السياسات، خاصة في ظل صمت متواصل يُفسَّر فلسطينيًا على أنه تواطؤ صريح.
التحذير من انفجار ديني واسع النطاق
أخطر ما في تصريحات فتوح، هو تحذيره من أن هذه الانتهاكات تُمهّد لحرب دينية مفتوحة. هذه اللهجة لا تُستخدم عبثًا في الخطاب السياسي الفلسطيني، لكنها في هذه الحالة تعكس شعورًا متصاعدًا بالخطر الوجودي على المقدسات الإسلامية، لا سيما في ظل تكرار الاقتحامات للمسجد الأقصى، والتضييق المستمر على المسلمين في الخليل، وربط كل ذلك بسياق الحرب الجارية في غزة. أي أن ما يجري ليس مجرد استفزاز ديني، بل مشروع لفرض “سيادة يهودية قسرية”، وفق توصيف فتوح، يضع الفلسطينيين أمام خيار المواجهة لا التفاوض.
هذا التحذير من شأنه أن يُحرّك الشارع الفلسطيني، لا سيما في الخليل التي تشهد توترًا متصاعدًا، كما قد يعيد القضية الفلسطينية إلى صدارة الأولويات في الإقليم، إذا ما اتسعت دائرة الاشتعال بفعل هذه الإجراءات.
التوقيت السياسي والمخاطر الإقليمية
اللافت في التوقيت أن هذه الخطوة الإسرائيلية تأتي بينما يتركّز الاهتمام الدولي على الوضع في قطاع غزة، وما يصاحبه من جهود دبلوماسية لإنهاء الحرب. أي أن إسرائيل تسعى في هذا التوقيت لفرض وقائع جديدة في الضفة الغربية، بعيدًا عن الأضواء، وسط انشغال الأطراف الدولية بمسار المفاوضات مع حماس وقطر ومصر. هنا تحديدًا يصبح تحذير فتوح من “تفجير الأوضاع في عموم المنطقة” أكثر واقعية، إذا ما قوبلت هذه الخطوة بتصعيد فلسطيني وردود أفعال شعبية غاضبة، قد تمتد من الخليل إلى القدس والضفة.
تصريحات روحي فتوح تعبّر عن قلق فلسطيني رسمي وشعبي عميق من تصعيد إسرائيلي يستهدف قضم ما تبقى من الرموز الإسلامية في الضفة الغربية، وفرض وقائع ديموغرافية ودينية تهدد بإشعال صراع طويل الأمد. وقد تكون هذه التصريحات مقدّمة لتحركات فلسطينية في الساحة الدولية، لكن الأهم أنها قد تدفع بالمشهد الميداني نحو مزيد من الانفجار، في حال استمر الصمت الدولي وتواطؤه مع ما وصفه فتوح بـ”التحالفات الفاشية والعنصرية” داخل الحكومة الإسرائيلية.







