الجدل الذي أثارته تصريحات النائب الليبي جلال الشهويدي حول «محاولة إقصاء» سيف الإسلام القذافي من الترشح للانتخابات الرئاسية، يعيد إلى الواجهة السؤال الذي ظلّ مطروحاً منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011: هل يمكن أن يعود نجله، سيف الإسلام، إلى الحكم في ليبيا مجدداً؟ هذا السؤال لم يعد افتراضاً نظرياً بعد أن كشفت تطورات المشهد السياسي عن هشاشة المؤسسات، وعمق الانقسام بين الشرق والغرب، وتآكل شرعية النخب الحاكمة، ما أعاد إنتاج الحنين إلى «الاستقرار المفقود» في عهد القذافي الأب.
تصريحات الشهويدي كانت بمثابة اعتراف ضمني بأن العملية الانتخابية عام 2021 لم تكن محايدة، وأن ثمة إرادة سياسية داخلية وخارجية سعت لاستبعاد سيف الإسلام من المشهد. هذا الإقرار يكتسب دلالة مضاعفة، لأن الشهويدي لم يكن مجرد نائب عادي، بل رئيس لجنة «6+6» التي كُلّفت بصياغة القوانين الانتخابية بين مجلسي النواب والدولة، ما يجعل اعترافه بمثابة إدانة للطبقة السياسية الليبية بأكملها. فحين يقول مسؤول بمستوى الشهويدي إنه «حاول إقصاء سيف الإسلام»، فإن ذلك يعني أن الانتخابات لم تكن تُدار وفق منطق ديمقراطي، بل بمنطق الإقصاء المسبق، في بلد لم يتعافَ بعد من آثار الحرب والانقسام.
ظهور القذافي والحنين إلى النظام السابق
الردود التي أثارتها هذه التصريحات كشفت عن حجم التوتر الكامن في الساحة الليبية، وعن استمرار حضور التيار المؤيد للنظام السابق كقوة اجتماعية وسياسية قادرة على التأثير. محامي سيف الإسلام، خالد الزائدي، لم يكتفِ بالرد القانوني على الشهويدي، بل حاول إعادة صياغة النقاش حول شرعية الإقصاء والانتخابات نفسها، قائلاً إن «احترام إرادة الناخبين كان أهم من محاولات إقصاء سيف الإسلام»، في إشارة واضحة إلى أن الرجل يمتلك قاعدة دعم حقيقية في الشارع الليبي. ويذهب مؤيدوه أبعد من ذلك، معتبرين أن أي انتخابات حرة ونزيهة ستعيد سيف الإسلام إلى المشهد، لأنه – في نظرهم – يمثل «رمز الاستقرار» مقارنة بالفوضى والانقسام اللذين عاشتهما البلاد منذ الإطاحة بوالده.
هذه المواقف لا يمكن فهمها بمعزل عن حالة السأم الشعبي التي تهيمن على المزاج العام في ليبيا. فبعد أكثر من عقد على الثورة، لم يتحقق وعد الدولة المدنية، ولا الرفاه، ولا الأمن. فالمشهد اليوم يتوزع بين حكومتين متنازعتين، وبرلمانين، ومليشيات تسيطر على المدن الكبرى، فيما تتنازع القوى الخارجية النفوذ بين الشرق والغرب. في هذا السياق، يصبح الحنين إلى «النظام السابق» نوعاً من التعبير السياسي عن الإحباط، وليس بالضرورة عودة إلى الاستبداد بقدر ما هو توقٌ إلى النظام والانضباط. سيف الإسلام القذافي نجح في توظيف هذا الشعور، مقدماً نفسه كـ«مرشح تصالحي» قادر على توحيد الليبيين واستعادة السيادة الوطنية بعيداً عن التدخلات الأجنبية.
إلا أن العقبات التي تواجه طموح سيف الإسلام لا تزال كبيرة. فمن الناحية القانونية، لا يزال مطلوباً من المحكمة الجنائية الدولية بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهي تهم تعود إلى أحداث عام 2011. كما أنّ منظمة «هيومن رايتس ووتش» جدّدت في تقريرها الأخير المطالبة بتسليمه إلى العدالة الدولية، معتبرة أن السلطة القضائية الليبية «غير راغبة وغير قادرة على محاكمته بإنصاف». هذا الملف القضائي يظلّ ورقة ضغط تستخدمها أطراف محلية ودولية لمنع أي عودة فعلية له إلى الحكم.
صراع المناصب وتعطل المسار الدستوري
لكن المفارقة أنّ استمرار هذا الوضع القانوني يمنح سيف الإسلام، صفة «الضحية السياسية» في نظر أنصاره. فهو في روايتهم ليس متهماً، بل مستهدفاً، لأن عودته قد تهدد مصالح أطراف داخلية وخارجية تستفيد من بقاء ليبيا مقسّمة وضعيفة. هذا الخطاب يجد صداه لدى قطاعات من الليبيين الذين أنهكتهم الأزمات، ويرون في «الابن الممنوع» امتداداً لزمن السيادة والاستقرار المفقود.
من جهة أخرى، فإن المشهد الليبي الراهن يعاني من فراغٍ قيادي مزمن. فالحكومات المتعاقبة – سواء في طرابلس بقيادة عبد الحميد الدبيبة، أو في بنغازي بدعم خليفة حفتر – لم تنجح في تقديم نموذج حوكمة موحّد، بل كرّست واقع الانقسام. أما الطبقة السياسية التي تمثلت في مجلسي النواب والدولة، فقد فقدت مصداقيتها أمام الشارع، نتيجة صراعها على المناصب وتعطيلها المتواصل للمسار الدستوري والانتخابي. هذا الفراغ يجعل أي شخصية تمتلك رمزية وطنية، ولو كانت مثيرة للجدل، قادرة على استقطاب التأييد، وهو ما يستفيد منه سيف الإسلام بطبيعة الحال.
المعطى الإقليمي بدوره يهيّئ بيئة ملائمة لعودة القذافي الابن إلى المشهد. فالدول العربية المجاورة، ولا سيما مصر والجزائر وتونس، تنظر بارتياح نسبي إلى احتمال عودة شخصية «براغماتية» تجمع بين إرث النظام السابق وخبرة سياسية واقتصادية سابقة، مقارنة بالنخب الجديدة التي تُعدّ في نظرها رهينة للمليشيات أو النفوذ الأجنبي. كذلك فإن التحوّل الدولي نحو «الاستقرار قبل الديمقراطية» – كما ظهر في مقاربة العواصم الغربية لملفات السودان واليمن وسوريا – قد يجعل المجتمع الدولي أكثر تساهلاً مع فكرة إعادة تدوير رموز النظام السابق، طالما أن ذلك يخدم استقرار ليبيا ويحافظ على تدفق النفط.
سيف الإسلام وإعادة صياغة إرث القذافي
غير أن أي محاولة فعلية لعودة سيف الإسلام إلى السلطة ستصطدم بممانعة شديدة من القوى المسيطرة حالياً على الأرض. فحكومة طرابلس المدعومة من بعض القوى الغربية ترى في ترشحه تهديداً مباشراً لنفوذها، فيما يعتبره المعسكر الشرقي منافساً خطيراً قد يسرق منه شرعية «المنقذ العسكري». هذا التناقض يجعل من الصعب تصور قبول الطرفين بترشحه من دون ضمانات دولية قوية، وهو ما يعيدنا إلى المربع الأول من الأزمة: غياب التوافق الداخلي حول القواعد الناظمة للانتخابات.
ورغم أن المفوضية العليا للانتخابات برّرت تأجيل اقتراع 2021 بـ«الأسباب القانونية والشخصيات الجدلية»، فإنّ اعتراف الشهويدي يؤكد أن تلك الأسباب كانت سياسية بامتياز. فمصطلح «الشخصيات الجدلية» لم يكن سوى غطاء لإقصاء المرشحين المثيرين للحساسية، وعلى رأسهم سيف الإسلام القذافي وخليفة حفتر وعبد الحميد الدبيبة. هذا يطرح سؤالاً حول مدى استعداد النخبة الليبية لاحترام مبدأ التعدد السياسي إذا ما أعيد فتح باب الترشح مستقبلاً.
من الناحية الرمزية، يحاول سيف الإسلام إعادة صياغة إرث والده بذكاء. فهو لا يتحدث بلغة «الثورة المضادة»، بل يقدم نفسه بوصفه وريثاً لليبيا الحديثة، لا لحقبة الجماهيرية. وفي خطاباته المحدودة، يدعو إلى «المصالحة الوطنية» و«عودة السيادة الليبية» و«إنهاء الفوضى»، متجنّباً الدفاع المباشر عن سياسات والده. هذه المقاربة تمنحه مساحة للتحرك في أوساط الشباب الذين لم يعايشوا نظام القذافي مباشرة، ويرون فيه وجهاً أكثر هدوءاً وبراغماتية.
لكن التحدي الأكبر أمام عودة القذافي إلى الحكم لا يتعلق بالشرعية القانونية أو الشعبية، بل بالبنية الأمنية والعسكرية للدولة الليبية. فليبيا اليوم ليست دولة مركزية يمكن السيطرة عليها عبر الانتخابات، بل ميدان نفوذ تتقاسمه قوى مسلحة محلية وإقليمية. وحتى لو فاز سيف الإسلام في انتخابات مستقبلية، فإن قدرته على بسط سلطته ستبقى محدودة ما لم يتم تفكيك هذه البنية المليشياوية. هنا تظهر الحاجة إلى تفاهم إقليمي ودولي شامل يعيد بناء مؤسسات الدولة، وهو ما يبدو غائباً في الأفق القريب.
فشل المرحلة الانتقالية
ورغم هذه التحديات، فإن مجرد بقاء سيف الإسلام فاعلاً في الوعي السياسي الليبي بعد أربعة عشر عاماً من سقوط نظام والده يُعدّ مؤشراً على عمق الأزمة البنيوية في البلاد. فبدلاً من أن تفرز الثورة نخبة جديدة، أعادت الفوضى إنتاج الرموز القديمة. وفي غياب مؤسسات قوية قادرة على إدارة التعدد، سيظل الليبيون عالقين بين ماضٍ لم ينتهِ ومستقبل لم يولد بعد.
من هنا يمكن القول إن «عودة القذافي» ليست حدثاً سياسياً بقدر ما هي ظاهرة اجتماعية تعبّر عن فشل المرحلة الانتقالية، وعن عجز الدولة الليبية عن بناء عقد اجتماعي جديد. فسواء عاد سيف الإسلام إلى الحكم رسمياً أم بقي رقماً صعباً في المعادلة، فإنه سيظل يطارد النخب الحالية كظلّ ثقيل يذكّرها بأن الثورة التي أزاحت والده لم تُنجز وعودها، وأن الشرعية الشعبية لا تُلغى بقرارات لجان ولا بتوصيات دولية.
وهكذا، تبدو ليبيا اليوم في مفترق طرق حاسم: إما أن تنجح في صياغة مشروع وطني جامع يطوي صفحة الماضي ويمنع عودته عبر صناديق الاقتراع، أو أن تستمر في الدوران داخل الحلقة المفرغة التي تجعل من كل فشل سياسي مدخلاً لحنينٍ جديد إلى عهدٍ مضى. وفي كلتا الحالتين، سيبقى اسم القذافي – الابن هذه المرة – حاضراً في معادلة السلطة الليبية، رمزاً للاستقرار المفقود وللماضي الذي لم يغادر ذاكرة الليبيين بعد.






