يكشف إقرار الكنيست الإسرائيلي، لقانون يفرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين، أمام المحاكم العسكرية، تحولًا نوعيًا وخطيرًا في بنية النظام القانوني القائم في الأراضي المحتلة، إذ لا يقتصر الأمر على تشديد العقوبات، بل يتجاوز ذلك إلى تكريس منظومة قانونية مزدوجة تقوم على التمييز الصريح بين الفلسطينيين والمستوطنين.
إقرار القانون أحدث حالة من الغضب في كافة الأوساط المحلية والدولية، دفعت فريق المحامين الدولي، يتقدم بمذكرة للمحكمة الجنائية الدولية، في خطوة تسعى إلى نقل المواجهة من الميدان السياسي إلى ساحة المساءلة الدولية، عبر تأطير القانون الجديد ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وربطه بسياق أوسع من السياسات المرتبطة بالسيطرة والهيمنة.
إصدار أوامر اعتقال بحق أعضاء الكنيست
وقدّم فريق المحامين الدولي، نيابة عن الشعب الفلسطيني، لدى مكتب المدعي الدولي والمحكمة الجنائية الدولية، برئاسة الكويتي الدكتور فيصل خزعل، وعضوية التونسيين شوقي الطبيب “الأمين العام المساعد لاتحاد المحامين العرب” وأكرم الزريبي (المتحدث باسم الفريق)، إلى جانب الفلسطيني سهيل عاشور (نقيب المحامين الفلسطينيين السابق)، مذكرة عاجلة من 790 صفحة، تحت عنوان “تقديم عاجل بشأن اعتماد قانون عقوبة الإعدام للمعتقلين الفلسطينيين من قبل الكنيست الإسرائيلي؛ طلب إصدار أوامر اعتقال بحق أعضاء الكنيست والقادة العسكريين والمسؤولين القضائيين؛ وطلب عاجل لإجراء تحقيق واتخاذ تدابير احترازية”. حسب وكالة سما الإخبارية.
“قدم فريق المحامين الدولي مذكرة عاجلة للمحكمة الجنائية الدولية بشأن قانون أصدره الكنيست الإسرائيلي مساء الإثنين الماضي، يفرض على المحاكم العسكرية في الضفة الغربية الحكم بالإعدام على المعتقلين الفلسطينيين، مع تطبيق تمييزي حصري على الفلسطينيين دون المستوطنين. وتضمنت المذكرة خمسة مطالب رئيسية أبرزها: إصدار مذكرات اعتقال بحق 23 مسؤولًا إسرائيليًا من قادة السياسة والجيش، وتحذير القضاة العسكريين من أن أي حكم بالإعدام سيقابل بطلب اعتقال فوري، وفتح تحقيق عاجل مع اتخاذ تدابير احترازية لمنع تنفيذ أول حكم”. حسب الدكتور فيصل خزعل، رئيس فريق المحامين الدولي.
بيئة قسرية من الإرهاب القضائي
وأوضحت المذكرة أن القانون الذي أقره الكنيست الإسرائيلي في 30 آذار 2026 يفرض على المحاكم العسكرية في الضفة الغربية الحكم بالإعدام على المعتقلين الفلسطينيين خلال 90 يومًا، مع تقييد شديد لسبل الاستئناف، ويُطبق بشكل تمييزي حصري على الفلسطينيين دون المستوطنين. ووصف الفريق القانوني القانون بأنه “بيئة قسرية من الإرهاب القضائي”، مشيرًا إلى أن محاكم الاحتلال العسكرية تتمتع بمعدل إدانة يتجاوز 99٪، مما يحوّل المحاكمة إلى تصفية ممنهجة. وأكدت المذكرة أن القانون يأتي تتويجًا لسياسات “الضم الصامت” وهدم المنازل، في تحدٍ صارخ للمؤسسات الدولية، وسط تحذيرات أوروبية من طابعه التمييزي.
وأكمل الدكتور خزعل: “صنّفت المذكرة القانونية قانون الإعدام الجديد ضمن أشد الجرائم خطورة وفق نظام روما الأساسي، حيث يشكل جرائم حرب تتمثل في القتل العمد وإصدار أحكام دون محاكمة عادلة، إضافة إلى جرائم ضد الإنسانية تشمل الاضطهاد والقتل الممنهج ضمن هجوم واسع النطاق ضد السكان المدنيين. كما أكدت المذكرة أن القانون يحمل كافة سمات جريمة الفصل العنصري (الأبارتهايد)، حيث يفرض نظامًا تمييزيًا مؤسسًا من القمع والهيمنة على مجموعة سكانية بأكملها، مستندة في ذلك إلى أحكام سابقة للمحكمة الجنائية الدولية ومحاكم يوغوسلافيا ورواندا الدولية، إضافة إلى رأي محكمة العدل الدولية الاستشاري بشأن الاحتلال الإسرائيلي”.
ارتكاب جريمة حرب
تضمنت المذكرة بندًا قانونيًا غير مسبوق، حيث اعتبرت أن أي قاضٍ عسكري إسرائيلي يصدر حكمًا بالإعدام بموجب القانون الجديد يتحمل مسؤولية جنائية فردية بصفته شريكًا أو مساهمًا في ارتكاب جريمة حرب، وذلك بموجب المادتين 25 و28 من نظام روما الأساسي. واستند الفريق في ذلك إلى أحكام سابقة للمحاكم الجنائية الدولية التي أكدت أن القضاة لا يتمتعون بحصانة عند إصدارهم أحكامًا تمييزية أو غير قانونية، وأن دفاع “الأوامر العليا” أو “المنصب الرسمي” لا يعفي أحدًا من المساءلة الجنائية الدولية.
واختتم رئيس فريق المحامين الدولي تصريحاته: “طالبت المذكرة بإصدار مذكرات اعتقال بحق 23 مسؤولًا إسرائيليًا، بينهم الرئيس إسحاق هرتسوغ ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (المطلوب سلفًا للجنائية الدولية) ووزراء الأمن والقضاء والمالية ورئيس الكنيست وقادة الجيش ورؤساء الأجهزة الأمنية، وذلك لدورهم في تصميم القانون والتصويت عليه والدفع به وإصدار التوجيهات بتنفيذه، كما شملت المذكرة طلبًا باعتقال جميع أعضاء الكنيست الذين صوتوا لصالح القانون فور نشر الأسماء رسميًا، بالإضافة إلى تحذير مسبق للقضاة العسكريين في الضفة الغربية من أن أي حكم بالإعدام سيواجه بمذكرة اعتقال فورية، حيث أكدنا أن تغيير المناصب بين المسؤولين لا يعفي أحدًا من المساءلة، في إطار ما وصفناه في مذكرتنا بـ’الباب الدوار للإفلات من العقاب'”.




