لم يكن الاجتماع الذي عُقد في مدينة حلب بين ممثلي الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا وقيادات “قسد” من جهة، ومسؤولي الحكومة السورية الجديدة من جهة أخرى، مجرد متابعة لاتفاق إداري يخص حيّي الشيخ مقصود والأشرفية. فالمباحثات التي غلّفتها عناوين “خفض التوتر” و”تفعيل اتفاق نيسان” كانت في حقيقتها ساحة اختبار لنفوذ الطرفين: دمشق التي تريد تثبيت صورتها كدولة استعادت عافيتها بعد سقوط الأسد، و”قسد” التي ترفض أي تنازل يُفهم منه أنها تتخلى عن مشروعها السياسي والإداري.
اتفاق الـ14 بنداً… نصوص فضفاضة ومصالح متضاربة
بنود الاتفاق الموقع مطلع نيسان/أبريل، وعددها 14، صيغت بطريقة توحي بأنها تقنية وحيادية: حماية المدنيين، تعزيز التعايش المشترك، تشكيل لجان مشتركة للمتابعة… لكن سرعان ما تبيّن أن الخلاف ليس حول النصوص، بل حول تفسيرها.
فـ”قسد” اعتبرت الاتفاق إطاراً لضمان استمرار استقلاليتها الأمنية والإدارية تحت غطاء من التنسيق مع الدولة.
بينما قرأت دمشق البنود باعتبارها مقدمة لعودة تدريجية للسيادة الكاملة، أي مرحلة انتقالية قبل إنهاء أي مظاهر سلطة موازية للدولة.
وبذلك، تحوّل الاتفاق إلى وثيقة غامضة مفتوحة على التأويل، أكثر من كونه أرضية راسخة لتسوية طويلة الأمد.
الجذور التاريخية للأزمة: مشروعان لا يلتقيان
الأزمة بين “قسد” والدولة السورية الجديدة ليست وليدة اللحظة. فالمشروع الكردي-العربي الهجين الذي نشأ في شمال وشرق سوريا بدعم مباشر من التحالف الدولي بقيادة واشنطن، تحوّل مع الوقت إلى كيان ذي مؤسسات وأجهزة وأطر سياسية، يرى نفسه امتداداً طبيعياً لتجربة “الإدارة الذاتية”.
في المقابل، تسعى دمشق بعد سقوط الأسد إلى إثبات أن الدولة المركزية لم تتآكل، وأن أي نموذج بديل لن يُعترف به على أنه شريك حقيقي، بل مجرد سلطة أمر واقع لا بد من احتوائها أو تفكيكها تدريجياً.
موسكو وواشنطن… اللاعبان الخفيان في كل اجتماع
لا يمكن قراءة أي لقاء بين “قسد” والحكومة السورية الجديدة بمعزل عن التوازنات الدولية.
واشنطن: ما تزال ترى في “قسد” حليفاً أساسياً في محاربة “داعش”، وأداة للضغط على دمشق وحلفائها. لذلك، تضغط على “قسد” كي لا تقدم تنازلات استراتيجية للإدارة السورية الجديدة، حفاظاً على ورقة نفوذ أمريكية في الميدان السوري.
موسكو: على النقيض، تعتبر أن أي ترتيب داخلي بين دمشق و”قسد” يجب أن يمرّ عبرها. فهي تدفع باتجاه صيغ تفاهم تُعيد شرعية الدولة وتُضعف الدور الأمريكي، لكنها في الوقت ذاته لا تريد تفجير الميدان بما قد يهدد مكاسبها العسكرية والسياسية.
وبين هذين القطبين، تجد “قسد” نفسها في معادلة صعبة: فهي لا تستطيع التفلت من المظلة الأمريكية كلياً، ولا تستطيع تجاهل الضغوط الروسية التي تمثل القناة الوحيدة لأي اتفاق مع دمشق.
المعضلة الجوهرية: الاستقلالية أم الاندماج؟
ما يتبدّى من كل جولة تفاوض هو أن الخلاف يتجاوز الملفات التقنية. فالمسألة الجوهرية هي:
هل يمكن لـ”قسد” أن تحتفظ بقدر من الاستقلالية ضمن صيغة شراكة مع الدولة؟
أم أن دمشق لن تقبل إلا باندماج كامل، يذيب “قسد” في مؤسساتها العسكرية والأمنية؟
إلى الآن، لا يبدو أن هناك صيغة وسطية صلبة، بل مجرد محاولات لشراء الوقت بانتظار أن تحسم التطورات الإقليمية والدولية وجهة الصراع.
نحو صفقة أكبر… أم صدام مؤجل؟
من الواضح أن اجتماع حلب لم يكن سوى فصل جديد في أزمة مفتوحة. فبدون تفاهم استراتيجي برعاية دولية، ستبقى العلاقة بين “قسد” والإدارة السورية الجديدة عالقة بين هدنة هشة وصدام مؤجل. وهنا يظهر العامل الدولي مجدداً: واشنطن التي تحمي “قسد” من الذوبان الكامل، وموسكو التي تدفع دمشق لعدم التفريط بأي شبر من السيادة.
بكلمات أخرى، الأزمة بين الطرفين لن تُحل باتفاق 14 بنداً أو لجنة متابعة، بل بصفقة أوسع تتجاوز حلب إلى مستقبل شمال وشرق سوريا برمته. وحتى ذلك الحين، سيظل التوتر يطفو على السطح كلما حاولت دمشق اختبار حدود سلطتها، أو أرادت “قسد” تأكيد أنها ليست مجرد ذراع عسكرية يمكن تفكيكها بقرار سياسي.







