خلال افتتاح قمة منظمة شنغهاي للتعاون في مدينة تيانجين شمال الصين، وجّه الرئيسان الصيني شي جينبينغ والروسي فلاديمير بوتين انتقادات لاذعة للغرب، في خطوة أكدت أن بكين وموسكو تتحركان معاً نحو تعزيز جبهة موازية للنفوذ الغربي. القمة جاءت في توقيت حساس، حيث يتعاظم التردد الأوروبي وتزداد تناقضات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مقاربة الملفات الدولية.
عرض عسكري ضخم ورسائل استراتيجية
اختتمت القمة بعرض عسكري واسع في العاصمة بكين، عكس بوضوح رغبة الصين في إظهار قوتها العسكرية إلى جانب وزنها الاقتصادي. هذا الاستعراض لم يكن مجرد حدث بروتوكولي، بل رسالة صريحة بأن “الجنوب العالمي” بات يمتلك مظلة سياسية وعسكرية بديلة عن الغرب، وأن بكين لم تعد تكتفي بدور الشريك الاقتصادي، بل تسعى إلى تثبيت نفسها كقوة عالمية شاملة.
حضور متنوع يكسر العزلة
حضور قادة مثل فلاديمير بوتين، ناريندرا مودي، كيم جونغ أون، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، منح القمة زخماً إضافياً. فقد بدا واضحاً أن بوتين، رغم محاولات الغرب عزله منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، ما زال قادراً على حشد حلفاء وإثبات أن روسيا ليست محاصرة كما يُراد تصويرها. أما كيم جونغ أون، فقد وجد في القمة فرصة للحصول على الاعتراف والاحترام الذي يسعى إليه منذ سنوات، بينما شكّلت مشاركة مودي دلالة على أن الهند قد تقترب من المعسكر المناهض للغرب إذا استمرت الضغوط الأميركية.
الصين وقيادة “الجنوب العالمي”
بحسب تحليل نشرته صحيفة “لو فيغارو” الفرنسية، أكدت القمة والعرض العسكري أن ميزان القوى بات يميل تدريجياً نحو الصين، التي تعمل على قيادة ما يُعرف بالجنوب العالمي، مقدمة نموذجاً سياسياً وقيمياً يناقض الغرب. بكين لم تكتفِ بموقعها كقوة اقتصادية صاعدة، بل قدّمت نفسها كزعيمة لتحالف يهدف إلى صياغة قواعد جديدة للعلاقات الدولية، مستندة إلى خطاب يقوم على رفض الهيمنة الغربية والدعوة إلى نظام عالمي أكثر توازناً.
قراءة في المشهد العام
اختتام قمة تيانجين شكّل محطة بارزة في مسار التحولات الجيوسياسية الراهنة. الغرب بدا في موقع دفاعي، مرتبكاً بين خلافاته الداخلية وتناقض سياسات واشنطن، بينما أظهرت الصين وروسيا أن لديهما القدرة على استقطاب قوى دولية تبحث عن مظلة بديلة أو عن اعتراف دولي بدورها. الهند أرسلت إشارات مزدوجة، وكوريا الشمالية وإيران استغلتا المناسبة لتعزيز شرعيتهما السياسية.
المشهد برمته يؤشر إلى أن منظمة شنغهاي للتعاون لم تعد مجرد إطار إقليمي للتنسيق، بل منصة تعكس موازين قوى جديدة، حيث بكين تتصدر قيادة معسكر مناهض للغرب، مستفيدة من الفراغ الذي يتركه تردد الأميركيين والأوروبيين. وبهذا يمكن القول إن القمة رسخت ملامح استقطاب عالمي آخذ في التشكل، استقطاب يجعل من الغرب طرفاً واحداً بين أقطاب عدة، بدل أن يكون اللاعب الأوحد كما كان في العقود الماضية.






