بعد ثماني سنوات من التوتر الدبلوماسي، توجه رئيس وزراء كندا فرانسوا كارني إلى بكين في محاولة لإعادة بناء العلاقات مع الصين، في خطوة تمثل جزءًا من استراتيجية حكومته لتنويع التجارة الكندية بعيدًا عن الاعتماد المفرط على السوق الأمريكية. تأتي هذه الزيارة بعد سنوات من خلافات سياسية وتجارية، تضمنت احتجاز كنديين في الصين ردًا على اعتقال مسؤول تنفيذي صيني في كندا، بالإضافة إلى تحذيرات مستمرة بشأن التدخل الصيني في السياسة الكندية وحقوق الإنسان.
السياسة الجديدة للحكومة الكندية تهدف إلى اتباع نهج براغماتي عملي، يركز على التعاون الاقتصادي دون الانزلاق إلى التوافق الاستراتيجي مع بكين. تصريحات وزيرة الخارجية كندا، أنيتا أناند، تؤكد أن الهدف هو تنويع الشراكات التجارية وزيادة التجارة خارج الولايات المتحدة بنسبة 50% خلال العقد القادم، مع مراعاة الحساسيات الاقتصادية والسياسية.
الزيارة تركز على مجموعة من الملفات الاقتصادية الملحة، أبرزها الرسوم الجمركية المتبادلة على لحم الخنزير والكانولا والسيارات الكهربائية والصلب، والتي تمثل رمزًا للصراعات التجارية بين أوتاوا وبكين، وتستحضر الضغوط الأمريكية على كندا. كما يسعى كارني إلى تعزيز التعاون في مجالات الطاقة والتجارة البيئية، مع التركيز على القطاعات غير المرتبطة بالأمن القومي أو القطب الشمالي، وهو ما يظهر حرصه على موازنة المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات الاستراتيجية.
لكن الواقع يبقى معقدًا:
التحديات السياسية: بكين تتوقع من كندا أن تكون أقل عدائية تجاه مصالحها، وهو ما قد يصطدم بالسياسات المحلية والضغوط الأمريكية، خصوصًا فيما يتعلق بالاستثمار والبحث والتطوير في القطاعات الحساسة.
الضغط الداخلي: بعض المقاطعات الكندية، مثل أونتاريو، تعارض تخفيف القيود أو التنازل عن السياسات التي تحمي الصناعات المحلية، ما يعكس التحدي المزدوج الذي تواجهه الحكومة الفيدرالية بين التوسع الاقتصادي والحفاظ على قاعدة صناعية وطنية قوية.
المخاطر الاستراتيجية: أي خطوة كندية نحو الصين يجب أن تُدار بحذر، لتجنب إعطاء الانطباع بأن أوتاوا تنحاز إلى بكين على حساب واشنطن، خصوصًا في ظل المفاوضات حول اتفاقية التجارة بين كندا والولايات المتحدة والمكسيك (CUSMA).
في المحصلة، هذه الزيارة تمثل بداية مرحلة إعادة ضبط العلاقات، لكنها لن تحل الخلافات العميقة بين البلدين. نجاحها يعتمد على قدرة كندا على حماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، بينما تحافظ على خط مرن يوازن بين بكين وواشنطن، ويجنبها الوقوع في صراعات دبلوماسية جديدة قد تعرقل النمو الاقتصادي المستهدف.







