شهدت المناطق الشرقية لمدينة غزة، مساء الجمعة، أحداثًا أمنية وُصفت بـ”الاستثنائية”، بعد أن تعرضت قوات الجيش الإسرائيلي لكمين محكم أوقع قتلى وجرحى في صفوف الجنود. ووفقًا لما نقلته وسائل الإعلام العبرية، فإن المواجهات العنيفة اندلعت على أكثر من محور، فيما هرعت مروحيات الجيش لإخلاء المصابين، وسط تقارير عن مقتل جنود وفقدان آخرين.
كمائن محكمة ومعارك في حي الزيتون
المصادر الإسرائيلية أشارت إلى أن الكمين استهدف كتيبة تابعة للواء الناحال، الذي ينشط عادة في جباليا وبيت حانون، بينما وقع الاشتباك الأشد في حي الزيتون شرقي غزة. وحسب روايات أولية، فإن مقاتلي حماس رصدوا تحركات الجنود عبر مناظير ليلية، ونفذوا هجومًا أدى إلى سقوط قتلى وإصابات وُصفت جروح بعضها بالحرجة.
إزاء ذلك، دفع الجيش الإسرائيلي بتعزيزات كبيرة، فيما استخدم ست مروحيات إضافية لإجلاء الجنود من أرض المعركة. وتحدثت وسائل الإعلام العبرية عن مقتل عدد من الجنود في الكمين الكبير بحي الزيتون، وهو ما رفع منسوب القلق داخل الأوساط العسكرية والسياسية الإسرائيلية.
بروتوكول “هانيبعل” وهاجس الأسر
مع اتساع رقعة الاشتباكات، أعلن الجيش الإسرائيلي تفعيل “بروتوكول هانيبعل”، وهو الإجراء العسكري الذي يهدف إلى منع وقوع جنود أسرى بيد المقاومة، حتى وإن تطلّب الأمر استخدام القوة المفرطة. وتشير تقارير إلى أن كتائب القسام حاولت بالفعل أسر جنود خلال العملية، وأن الجيش ما زال يبحث عن أربعة جنود فقدت آثارهم في حي الزيتون.
هذا التطور يعكس مخاوف إسرائيلية جدية من سيناريو الأسر، الذي لطالما شكّل هاجسًا عسكريًا وأمنيًا منذ عملية أسر الجندي جلعاد شاليط عام 2006.
قراءة في المشهد الميداني
هذا التصعيد يعكس مرحلة جديدة من المواجهة، حيث باتت الكمائن المحكمة وعمليات الاستهداف المباشر للجنود سمة بارزة في معارك غزة. وإذا تأكدت خسائر الجيش الإسرائيلي من قتلى وأسرى، فإن تداعياتها لن تقف عند حدود الجبهة الميدانية، بل ستصل إلى دوائر صنع القرار في تل أبيب التي تواجه معضلة استراتيجية: استمرار العمليات مع ارتفاع كلفة الخسائر البشرية، أو البحث عن مخرج سياسي وعسكري أقل كلفة.
الكمين في غزة وتداعياته على الداخل الإسرائيلي
لم يعد المشهد الأمني في غزة مقتصرًا على تبادل القصف أو عمليات محدودة النطاق، بل تجاوز ذلك إلى معارك برية تتسم بالتعقيد والتخطيط المحكم من جانب المقاومة الفلسطينية. الكمين الأخير في حي الزيتون شرقي غزة يطرح أمام إسرائيل تحديات مضاعفة، ليس فقط على الصعيد العسكري، بل على المستوى السياسي والاجتماعي أيضًا.
صدمة الرأي العام الإسرائيلي
المجتمع الإسرائيلي شديد الحساسية تجاه خسائره البشرية في الحروب، خصوصًا إذا تعلق الأمر بجنود شباب يخدمون في وحدات قتالية. وتاريخيًا، كل عملية أسر أو مقتل جماعي لجنود، كما حدث في حرب لبنان الثانية عام 2006 أو خلال حرب غزة 2014، تركت أثرًا عميقًا في الرأي العام وأدت إلى ضغوط سياسية هائلة على القيادة.
مع تسرب الأخبار حول مقتل وإصابة عدد من الجنود، وتداول روايات عن فقدان آخرين واحتمال أسرهم، يجد صانع القرار في تل أبيب نفسه أمام معضلة حقيقية: كيف يمكن إدارة الرأي العام الداخلي الذي يرفض تقبل فكرة “العجز” أمام مقاتلي حماس؟
الحكومة الإسرائيلية بين مطرقة الضغط العسكري وسندان السياسة
الحكومة الحالية، التي تواجه انتقادات متواصلة من المعارضة ومن قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي، قد تجد نفسها مضطرة إلى تصعيد أوسع في غزة لامتصاص الغضب الشعبي. لكن هذا الخيار محفوف بالمخاطر، فكل توغل بري جديد يزيد احتمالات وقوع خسائر أكبر، ويضع إسرائيل في دائرة الاستنزاف.
وفي المقابل، التراجع أو الاكتفاء بعمليات محدودة سيُفهم داخليًا على أنه ضعف أو فشل، ما قد ينعكس مباشرة على تماسك الائتلاف الحاكم ويعمّق من أزمة الثقة بين الجمهور والقيادة السياسية.
هاجس الأسرى وإرث شاليط
لا يمكن فصل أي حديث عن محاولات الأسر عن تجربة الجندي جلعاد شاليط، الذي بقي بيد حماس خمس سنوات كاملة قبل أن يُفرج عنه في صفقة تبادل عام 2011 شملت أكثر من ألف أسير فلسطيني. هذه التجربة لا تزال حاضرة بقوة في الوعي الإسرائيلي، حيث يعتبر المجتمع أي عملية أسر بمثابة فشل استراتيجي للجيش وأجهزته الأمنية.
لذلك، فإن مجرد الحديث عن فقدان أربعة جنود في حي الزيتون كفيل بإثارة موجة صاخبة من الانتقادات والضغط الشعبي على الحكومة، وقد يعيد النقاش حول جدوى استمرار العمليات العسكرية في غزة دون أهداف واضحة قابلة للتحقيق.
تداعيات استراتيجية على المدى البعيد
إذا ما تأكد وقوع أسرى بيد حماس، فإن المعادلة الميدانية ستتغير بالكامل. إسرائيل ستكون أمام خيار صعب بين التصعيد العنيف لمحاولة استرجاعهم بالقوة، أو الدخول في مفاوضات غير مباشرة حول صفقة تبادل جديدة، وهو سيناريو سيُنظر إليه داخليًا باعتباره إذلالًا سياسيًا وعسكريًا.
في كلتا الحالتين، سيخرج الكمين الأخير عن كونه مجرد “حدث أمني” عابر، ليشكل نقطة تحول في مسار الحرب الجارية، وقد يفرض على إسرائيل إعادة صياغة استراتيجيتها تجاه غزة.






