لا تمر الأزمات الكبرى في حياتنا دون ان تترك ندوباً غائرة في كيمياء اجسادنا وارواحنا والصحة النفسية، فالتوتر المستمر الذي يفرضه واقع عام 2026 ليس مجرد شعور عابر بالضيق، بل هو حالة استنفار فسيولوجي كاملة قد تخل بالتوازن العاطفي وتزيد من وطأة القلق والخوف لدى البالغين والاطفال على حد سواء. وفي هذا السياق، تبرز اهمية المرونة النفسية ليس كقدرة على كبت المشاعر او التظاهر بالصلابة القاسية، بل كعلم وفن لتنظيم الجهاز العصبي واستعادة الاستقرار من قلب الفوضى المحيطة بنا.
وتؤكد الدكتورة بريانكا سايناني، الخبيرة في الصحة الحيوية، ان اجهزتنا العصبية تشعر بالاضطراب في اوقات عدم اليقين حتى وان كنا في مأمن جسدي، اذ يمتد التأثير ليشمل الاطفال الذين لا يستوعبون تعقيدات الجغرافيا السياسية او تفاصيل الازمات، لكنهم يمتلكون رادارات حساسة تلتقط نبرة صوت الوالدين وطاقتهما النفسية. لذا، فان الخطوة الاولى لحماية العائلة تبدأ من خلق استقرار فسيولوجي داخل المنزل، حيث يحتاج الطفل الى الشعور بالثبات العاطفي اكثر من حاجته الى التفسيرات المنطقية المعقدة، وهنا تبرز اهمية عبارات الامان البسيطة والمتكررة التي تؤكد للطفل ان الكبار يتعاملون مع الامر، مما يساعد على احتواء مشاعره واعادة توضيح الادوار داخل الاسرة.
وعلى الصعيد العملي، يمتلك الانسان ادوات فطرية لتهدئة جهازه العصبي تستجيب للحركة والتنفس بشكل اسرع من استجابتها للمنطق، منها تقنية التمارين الحسية التي تعيد العقل الى ارض الواقع عند تصاعد نوبات القلق. ويمكن للبالغين والاطفال ممارسة تمارين التنفس الفسيولوجي عبر اخذ شهيق عميق متبوع بزفير طويل وبطيء، وهو ما يعمل على تخفيض مستويات الكورتيزول بشكل طبيعي وفوري. كما ان التعرض لاشعة الشمس الصباحية لدقائق معدودة، وممارسة تمارين التمدد الخفيف، يساهمان في تحسين المزاج وزيادة الشعور بالامان العضوي، مما يقلل من حدة التشنجات الناتجة عن الضغط النفسي المستمر.

ولا ينفصل الجسد عن النفس في هذه المواجهات، اذ تشير اخصائية العلاج الطبيعي ساندرا سيرانو الى ضرورة اتباع بروتوكولات يومية لتقليل التوتر، مثل المشي بصمت لفترات قصيرة والتركيز على حركة التنفس، والحرص على الانتقال بين المهام اليومية دون تفقد الهاتف بشكل متكرر لتقليل القلق الذهني. كما يلعب ارخاء الفك والتخلص من توتر اللسان دوراً محورياً في ارسال اشارات فورية للدماغ بان الجسم في حالة استرخاء، وهو ما يمكن تعزيزه بوضع منشفة دافئة حول الرقبة قبل النوم لتهيئة الجسد لراحة عميقة تعوض ما استنزفه القلق خلال النهار.
وفيما يخص الاطفال على وجه التحديد، فان التعبير عن المشاعر يجب ان يأخذ طابعاً ابداعياً بعيداً عن الاستجواب المباشر، كأن نطلب منهم رسم القلق وتحديد لونه ومكانه في اجسادهم، مما يمنع كبت هذه الاحاسيس التي قد تظهر لاحقاً في صورة اضطرابات هضمية او سلوكية. وفي ذات الوقت، يحذر الخبراء من فخ “الاكل العاطفي” الذي يلجأ اليه الصغار عند قضاء فترات طويلة في المنزل، حيث يزداد استهلاك الوجبات الخفيفة بحثاً عن الراحة، مما يهدد صحتهم الفموية ويرفع مخاطر تسوس الاسنان. لذا، فان تنظيم اوقات الطعام وتقديم بدائل صحية كالجبن والمكسرات، مع تشجيعهم على شرب الماء، يظل ضرورة ملحة للحفاظ على توازنهم الحيوي.
ان القدرة على الصمود في اوقات الازمات لا تعني التجرد من الانسنانية او تجاهل المخاطر، بل تعني القدرة على الحفاظ على الايقاع اليومي وتعزيز الامان في العلاقات الانسانية الداعمة. الصدق الهادئ من قبل الوالدين، والاعتراف بوجود تحديات مع التأكيد على القدرة الجماعية لمواجهتها، هو ما يبني جسور الثقة ويحول الازمة من محطة للاستنزاف الى تجربة لتعميق الروابط الاسرية وحماية الصحة العامة بمفهومها الشامل.




