تشهد محافظة الخليل في الآونة الأخيرة محاولات إسرائيلية مكشوفة لإعادة إنتاج واقع جديد، يقوم على سلخ المدينة عن محيطها الوطني وإعادة تشكيلها وفق صيغة “إمارة عشائرية” تُدار بعيدًا عن القيادة الفلسطينية الشرعية. غير أن هذه المخططات قوبلت برفض واسع من ممثلي العشائر والعائلات، الذين أكدوا في وقفة جماهيرية حاشدة أن الخليل ستبقى جزءًا أصيلًا من النسيج الوطني الفلسطيني تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية وقيادتها برئاسة الرئيس محمود عباس.
دلالة سياسية واجتماعية
هذا الموقف الجماعي من عشائر الخليل لا يعكس فقط حسًا وطنيًا عاليًا، بل يأتي أيضًا كرد مباشر على استراتيجية الاحتلال في تفتيت المجتمع الفلسطيني عبر استغلال البنية العشائرية وإعادة إنتاجها بشكل يخدم مصالحه. فالخليل بما تمثله من ثقل سكاني ومكانة دينية واقتصادية، تشكل هدفًا دائمًا لمحاولات السيطرة والاختراق، حيث يسعى الاحتلال إلى تمزيق نسيجها الداخلي عبر تقديم بدائل مصطنعة عن السلطة الوطنية، بغية ضرب الشرعية الفلسطينية وتكريس واقع تقسيمي.
إن تأكيد العشائر على براءتهم من أي فرد يساند هذه المؤامرات، يحمل دلالة سياسية واجتماعية عميقة، مفادها أن المجتمع المحلي واعٍ لمخاطر اللعب على وتر العائلة والعشيرة، وأنه قادر على إفشال محاولات الاحتلال الرامية إلى تحويل الخليل إلى كيان موازٍ يخدم مصالحه الأمنية والاستيطانية. كما أن هذه الرسالة تشدد على أن وحدة النسيج الاجتماعي الفلسطيني، وخصوصًا في الخليل، ستبقى السلاح الأقوى في مواجهة أي مشاريع تقسيمية.
من جهة أخرى، فإن الاحتلال حين يحاول اختراع نموذج “الإمارة العشائرية”، فإنه يعيد إنتاج سياسات استعمارية قديمة قائمة على مبدأ “فرّق تسد”، عبر محاولة شرعنة كيانات بديلة عن التمثيل السياسي الوطني، متجاهلًا أن العشائر ذاتها كانت ولا تزال جزءًا من المشروع الوطني ومصدرًا أساسيًا في حماية الهوية الفلسطينية ومقدساتها.
قوة التماسك الأهلي
في هذا السياق، يمكن قراءة وقفة العشائر بالخليل باعتبارها إعلانًا صريحًا عن تمسك المجتمع المحلي بخيار الدولة والشرعية الوطنية، ورفضًا لأي إغراءات أو تهديدات يمكن أن تجر المدينة إلى مسارات مشبوهة. وهي أيضًا رسالة للأطراف الفلسطينية كافة بضرورة تعزيز الوحدة الداخلية، وصيانة السلم الأهلي، وعدم السماح بوجود ثغرات يمكن أن ينفذ منها الاحتلال لإعادة تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي.
إن ما جرى في الخليل يثبت مرة أخرى أن الرهان الإسرائيلي على تفكيك المجتمع الفلسطيني من الداخل محكوم عليه بالفشل، وأن قوة التماسك الأهلي، المستندة إلى وعي العشائر والعائلات، تمثل خط الدفاع الأول في معركة الحفاظ على الأرض والهوية والشرعية الوطنية.




