نشرت صحيفة واشنطن بوست أن شركة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للإعلام والتكنولوجيا، المالكة لمنصات تواصل اجتماعي وأنشطة في مجال العملات المشفّرة، ستندمج مع شركة TAE Technologies المتخصصة في تطوير طاقة الاندماج النووي، في صفقة تُقدّر قيمتها بنحو 6 مليارات دولار، وتهدف إلى تسريع تطوير هذا المصدر الجديد للطاقة وإدخال محطات الاندماج إلى شبكة الكهرباء الأميركية في وقت مبكر قد يبدأ عام 2026.
وقالت الصحيفة إن هذا الترتيب يُعد غير مألوف، إذ يجمع بين شركة إعلامية ذات ارتباطات سياسية واضحة وخبرة محدودة في قطاع الطاقة، وشركة ناشئة مقرها ولاية كاليفورنيا تعمل منذ سنوات على تطوير تكنولوجيا الاندماج النووي، وهي تقنية يسعى العلماء إلى تحقيقها منذ عقود بوصفها مصدراً محتملاً للطاقة النظيفة والخالية من الانبعاثات.
واعتبرت واشنطن بوست أن شركة TAE تعوّل بشكل أساسي على ما وصفته بـ«الوصول إلى رأس مال ضخم» توفره مجموعة ترامب للإعلام والتكنولوجيا، في إطار سعيها لتسريع بناء محطات اندماج نووي قادرة على تلبية الطلب المتزايد على الكهرباء، خصوصاً مع الطفرة الكبيرة في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي داخل الولايات المتحدة.
وأضافت الصحيفة أن TAE ليست الشركة الوحيدة في هذا السباق، إذ تتنافس عدة شركات ناشئة في مجال الاندماج النووي على تطوير هذا المصدر للطاقة، في سباق مكلف ومحفوف بالمخاطر، وسط شكوك قائمة حول قدرة أي منها على تحويل الاندماج إلى مصدر عملي ومجدٍ لتوليد الكهرباء على المدى القريب.
وأشارت واشنطن بوست إلى أن الجدول الزمني الذي أعلنت عنه الشركتان يبدو شديد الطموح، إذ يشكك عدد من العلماء وخبراء قطاع الطاقة في إمكانية توفير كميات كبيرة من كهرباء الاندماج النووي قبل منتصف ثلاثينيات القرن الحالي. ومع ذلك، ترى الصحيفة أن الصفقة، التي أُعلن عنها صباح الخميس، وضعت شركة TAE في موقع متقدم مقارنة بمنافسيها، ليس فقط من حيث التمويل، بل أيضاً من حيث النفوذ السياسي الذي قد يوفره هذا التحالف.
وأوضحت الصحيفة أن شركات الاندماج النووي تعمل بالتوازي مع مختبرات الحكومة الفيدرالية الأميركية لتطوير هذه التكنولوجيا، وستكون خاضعة لإجراءات موافقة صارمة قبل تشغيل أي محطة. كما لفتت إلى أن المحطات الأولى قد تحتاج إلى دعم حكومي كبير لتجاوز التحديات التقنية والمالية.
وبحسب واشنطن بوست، ستُدار الشركة المندمجة بشكل مشترك من قبل ديفين نونيس، الرئيس التنفيذي لشركة ترامب ميديا، وميشيل بيندرباور، الرئيس التنفيذي لشركة TAE. ومن المقرر أن تنتج المحطة الأولية التي تعتزم الشركة بناءها نحو 50 ميغاواط من الكهرباء، وهي كمية متواضعة مقارنة بالاستهلاك المتوقع لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، التي قد تحتاج إلى طاقة تفوق هذا الرقم بعشرين مرة أو أكثر.
وأضافت الصحيفة أن الشركتين تخططان على المدى البعيد لبناء محطات طاقة تتراوح قدرتها بين 350 و500 ميغاواط، في إطار سباق أوسع تخوضه الولايات المتحدة مع الصين لتطوير طاقة الاندماج النووي. ويستثمر البلدان مليارات الدولارات في هذا المجال، الذي يقوم على دمج الذرات لمحاكاة التفاعل النووي الذي يمدّ الشمس بالطاقة، ويُنظر إليه كمصدر محتمل لطاقة غير محدودة وخالية من الانبعاثات.
غير أن واشنطن بوست شددت على أن تحقيق هذا الهدف لا يزال يواجه تحديات تقنية كبيرة، إذ يتطلب الحفاظ على التفاعل لفترات طويلة تكاليف باهظة، وربما استخدام مواد لم تُطوَّر بعد.
ونقلت الصحيفة عن القائمين على المشروع قولهم إن الهدف النهائي يتمثل في «توفير كهرباء اقتصادية ووفيرة وموثوقة، من شأنها مساعدة الولايات المتحدة على الفوز في سباق الذكاء الاصطناعي والحفاظ على هيمنتها العالمية».
واكتسبت المنصة قاعدة جماهيرية محددة داخل أوساط أنصار حركة «ماغا» (MAGA)، مدفوعة بالحضور المكثف للرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب نفسه، الذي يستخدمها كمنبره الأساسي للتواصل، وينشر عبرها بوتيرة عالية قد تتجاوز أحيانًا 100 منشور في اليوم. غير أن هذا الزخم السياسي لم يترجم بالضرورة إلى انتشار واسع خارج هذه الدائرة الضيقة، ما حدّ من قدرة المنصة على منافسة شبكات التواصل الاجتماعي الكبرى.
وتُملك أغلبية أسهم الشركة المدرجة في البورصة من قبل صندوق ترامب الاستئماني القابل للإلغاء، الذي يشرف عليه أبناؤه البالغون، وهو ما يعكس استمرار سيطرة العائلة على التوجهات الاستراتيجية للشركة. وبعد الإعلان عن الصفقة، ارتفع سهم الشركة بنحو 22% في تداولات ما قبل افتتاح السوق ليصل إلى قرابة 12 دولارًا، إلا أنه لا يزال منخفضًا بنحو 90% مقارنة بذروته المسجلة في عام 2022، ما يعكس تقلبات حادة في ثقة المستثمرين.
وعلى الرغم من حضورها الإعلامي والسياسي، واجهت شركة ترامب ميديا صعوبة واضحة في التميّز عن منصات التواصل الاجتماعي الأكبر حجمًا، كما أخفقت حتى الآن في بناء نموذج أعمال مستدام بالاعتماد على الإعلانات أو الاشتراكات، وهي الركائز التقليدية في هذا القطاع. وأظهرت إفصاحات الشركة المقدمة إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية أنها تكبدت خسائر بلغت نحو 400 مليون دولار خلال العام الماضي، في حين تراجعت إيراداتها السنوية بنسبة 12% لتصل إلى حوالي 3.6 ملايين دولار فقط، وهو رقم يعادل تقريبًا إيرادات امتياز واحد لسلسلة مطاعم ماكدونالدز.
وفي محاولة لتعويض هذا الضعف، أعلنت الشركة خلال الأشهر الماضية عن التوسع في أنشطة تجارية متباينة، شملت خدمات بث الفيديو عبر منصة «Truth+»، والدخول إلى مجال التكنولوجيا المالية من خلال «Truth.Fi»، إضافة إلى أسواق التنبؤ، عبر شراكة مع منصة Crypto.com. كما كشفت عن أداة دردشة مدعومة بالذكاء الاصطناعي تحت اسم «Truth Search AI»، تقدم إجابات للمستخدمين، أظهرت في بعض الحالات تناقضًا مع تصريحات سابقة لترامب نفسه، ما أثار تساؤلات حول طبيعة الإشراف التحريري والتقني على هذه الخدمة.
وعلى الرغم من هذا التوسع المتسارع، لم تكن أي من هذه المبادرات، حتى وقت قريب، مرتبطة بقطاع الطاقة أو التكنولوجيا النووية. وفي سياق آخر، رفعت شركة ترامب ميديا في عام 2023 دعوى قضائية ضد صحيفة واشنطن بوست بتهمة التشهير، زعمت فيها أن الصحيفة نشرت معلومات غير دقيقة بشأن مزاعم تتعلق بتمويل الشركة، ولا تزال القضية منظورة أمام القضاء حتى الآن.







