المشهد في غزة يعكس تعقيداً متزايداً بين مسارين متناقضين: مسار المفاوضات الذي تقوده الوساطة المصرية – القطرية، ومسار التصعيد العسكري الذي تنفذه إسرائيل بدعم ضمني من واشنطن. فمنذ أن طُرح المقترح المصري – القطري في منتصف أغسطس، ظلّ عالقاً دون رد رسمي من الجانب الإسرائيلي، في حين سارعت حركة «حماس» إلى الموافقة عليه بهدف إظهار مرونة سياسية وحرص على وقف النزيف الإنساني. غير أن الحسابات الإسرائيلية – المدعومة أميركياً – تُظهر ميلاً نحو استثمار الوضع الميداني لتكريس معادلة جديدة تقوم على السيطرة بالقوة وفرض شروط تفاوضية أكثر تشدداً.
منطقة قتال خطيرة
توسيع إسرائيل عملياتها في مدينة غزة والإعلان عنها «منطقة قتال خطيرة» يعكس استراتيجية تقوم على الضغط الميداني لإرغام «حماس» على تنازلات جوهرية، ليس فقط في ملف الأسرى، بل في البنية الأمنية والسياسية للقطاع. وفي هذا السياق، تتبدى حالة انسجام أميركية – إسرائيلية، عبّر عنها وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر خلال اجتماعه في البيت الأبيض، حيث لم تُطرح مسألة وقف إطلاق النار بجدية، بل كان النقاش يدور حول «من سيحكم غزة بعد حماس»، وهو ما يشي بأن الاحتلال الميداني الجزئي أو الكامل للقطاع لم يعد مستبعداً في حسابات تل أبيب.
الوساطة المصرية – القطرية تتحرك في بيئة بالغة الصعوبة، فمع كل تصعيد عسكري تتراجع فرص بناء أرضية مشتركة للتسوية، ومع كل يوم يمضي دون رد إسرائيلي رسمي، يتضح أن قرار الحرب يتقدم على قرار الهدنة. ومع ذلك، فإن القاهرة والدوحة تواصلان جهودهما لاعتبار أن إبقاء باب التفاوض مفتوحاً أفضل من ترك الساحة للعمليات العسكرية التي ستدفع نحو كارثة إنسانية أوسع وتهدد استقرار المنطقة.
تحركات المجتمع المدني الدولي
القراءة السياسية تشير إلى أن إسرائيل لا ترى مصلحة في اتفاق جزئي أو مرحلي، وتفضل الذهاب نحو حزمة شاملة وفق شروطها، وهو ما سترفضه «حماس» في الغالب، خاصة في ظل خسائرها الميدانية والضغط الشعبي داخل القطاع. هذه المعادلة تجعل المأزق الفلسطيني مضاعفاً: فمن جهة هناك انسداد في قنوات التواصل مع واشنطن، ومن جهة أخرى هناك تصعيد عسكري يهدد بنية المجتمع الغزي ويدفع بمزيد من التهجير.
في المقابل، بدأ يتبلور خطاب أوروبي ناقد، حيث أصدرت عدة دول أوروبية بيانات شديدة اللهجة ضد الاحتلال الإسرائيلي وتوسيع وجوده العسكري في غزة. كما أن تحركات المجتمع المدني الدولي، مثل «أسطول الصمود» المزمع انطلاقه، تضيف بعداً ضاغطاً على إسرائيل، ولو بشكل رمزي. هذه الضغوط قد تتزايد مع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة واحتمال اعتراف أوروبي أوسع بالدولة الفلسطينية، الأمر الذي لن يغير الواقع على الأرض لكنه سيضيف زخماً معنوياً ودبلوماسياً للجانب الفلسطيني.
الحفاظ على مسار الهدنة
يظهر أن المشهد يتجه نحو معادلة «مفاوضات تحت النار»، حيث تستخدم إسرائيل التصعيد العسكري كأداة تفاوضية، فيما يحاول الوسطاء الحفاظ على مسار الهدنة كخيار قائم ولو شكلياً. وبينما تتعمق المأساة الإنسانية في القطاع، يتضح أن استمرار الانسجام الأميركي – الإسرائيلي سيُبقي المبادرة بيد تل أبيب، إلا أن الضغوط الدولية المتزايدة قد تفتح ثغرات لاحقة تُعيد المفاوضات إلى الواجهة. غير أن الخطر الأكبر يظل ماثلاً في إمكانية أن يفرض الاحتلال وقائع ميدانية يصعب التراجع عنها، ما يعني أن مسار التسوية برمته سيكون مهدداً، ليس فقط في غزة، بل في المنطقة كلها.






