سجلت دولة الإمارات خلال الفترة الممتدة من عام 2015 حتى 2024 طفرة غير مسبوقة في قطاع الطيران المدني، حيث تجاوز عدد المسافرين عبر مطاراتها حاجز المليار مسافر، وفق بيانات صادرة عن المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء. كما ارتفع إجمالي عدد الحركات الجوية – أي الطائرات القادمة والمغادرة – إلى أكثر من 6.4 مليون حركة خلال العقد ذاته. ويؤكد هذا النمو أن الإمارات لم تعد مجرد محطة عبور إقليمية، بل تحولت إلى عقدة رئيسية لشبكات الطيران العالمية، تتنافس فيها شركات الطيران الوطنية مع كبريات الشركات العالمية على استقطاب الركاب عبر أسواق متعددة.
سياسات واضحة وراء الإنجاز
يرى مراقبون أن هذه الأرقام لم تكن لتتحقق لولا السياسات الحكومية طويلة المدى التي وضعت قطاع الطيران ضمن الأولويات الاستراتيجية للدولة. فقد استثمرت الإمارات مليارات الدولارات في تحديث البنية التحتية لمطاراتها، وعلى رأسها مطار دبي الدولي ومطار أبوظبي الجديد، إضافة إلى توسيع أساطيل شركات الطيران الوطنية مثل “طيران الإمارات” و”الاتحاد للطيران” و”فلاي دبي”. هذه الشركات لم تكتفِ بتوسيع شبكاتها، بل ركزت على تقديم خدمات متطورة ورفع معايير السلامة والجودة، وهو ما انعكس في تقارير التنافسية الدولية.
صدارة في المؤشرات الدولية
بحسب أحدث تقارير التنافسية العالمية، جاءت الإمارات في المرتبة الأولى عالميًا في مؤشر جودة النقل الجوي لعام 2025، كما دخلت ضمن قائمة الدول العشر الأولى في خمسة مؤشرات أخرى مرتبطة بالقطاع. من أبرزها كفاءة خدمات النقل الجوي، وعدد المقاعد المتاحة لكل كيلومتر أسبوعيًا، وعدد شركات الطيران التي تخدم الدولة، فضلًا عن اتفاقيات الخدمات الجوية الثنائية التي تربطها بمختلف دول العالم. هذه المؤشرات لا تعكس فقط حجم النشاط، بل أيضًا قدرة الإمارات على دمج موقعها الجغرافي المتميز مع كفاءة تشغيلية عالية، وهو ما يمنحها تفوقًا تنافسيًا يصعب على العديد من الدول مجاراته.
من أزمة الجائحة إلى مسار التعافي الأسرع
من أبرز ما لفت الأنظار في العقد الماضي، قدرة الإمارات على التعامل مع صدمة جائحة كوفيد-19 التي تسببت في شلل شبه كامل لحركة الطيران العالمية عام 2020. فقد تراجع عدد المسافرين إلى نحو 38.3 مليون فقط، وهو انخفاض غير مسبوق مقارنة بالسنوات السابقة. غير أن الإمارات نجحت في استعادة عافيتها بسرعة قياسية، بفضل الإجراءات المرنة وإعادة فتح الأجواء ضمن ضوابط صارمة للسلامة، ما مكّنها من رفع العدد إلى 101 مليون مسافر في 2022. وفي غضون عامين فقط، قفز الرقم إلى 147.8 مليون مسافر في 2024، وهو رقم قياسي جديد يعكس مرونة القطاع المحلي ومكانته العالمية.
دور اقتصادي يتجاوز النقل
لم يعد قطاع الطيران في الإمارات مجرد خدمة نقل للمسافرين، بل أصبح أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد الوطني. فالمطارات تحولت إلى مراكز تجارية واستثمارية ضخمة، وأساطيل الطيران باتت أداة استراتيجية لدعم السياحة، وتعزيز التجارة الدولية، وربط الأسواق الناشئة بالأسواق المتقدمة. كما يسهم القطاع في دعم سوق العمل المحلي من خلال توفير آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة، إضافة إلى دوره في تنشيط قطاعات حيوية أخرى مثل الفنادق، المطاعم، والخدمات اللوجستية.
استشراف المستقبل
يتوقع خبراء أن تواصل الإمارات تعزيز موقعها في قطاع النقل الجوي خلال العقد المقبل، خاصة في ظل التوجهات الحكومية نحو البنية التحتية الذكية والتحول الرقمي. فالاستثمارات الحالية في الذكاء الاصطناعي وإدارة المطارات عبر الأنظمة الذكية، إلى جانب خطط التوسع في الطاقة النظيفة لخفض الانبعاثات الكربونية، ستجعل من الإمارات لاعبًا محوريًا ليس فقط في حجم الحركة الجوية، بل أيضًا في معايير الاستدامة والابتكار في النقل الجوي.







