تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأخيرة تكشف عن ملامح المرحلة المقبلة في التعامل مع قطاع غزة، وتؤكد أن الحرب الدائرة لم تعد مرتبطة فقط بملف الرهائن أو وقف إطلاق النار، بل أصبحت جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى فرض واقع سياسي وأمني جديد في القطاع.
نتنياهو، وفي حديثه لقناة “سكاي نيوز أستراليا”، أوضح بجلاء أن حكومته عازمة على “مواصلة السيطرة على غزة” حتى في حال التوصل إلى اتفاق مع حركة حماس، ما يعني أن أي تفاهمات مستقبلية لن تُترجم إلى انسحاب عسكري شامل أو تسليم زمام الأمور للسلطة الفلسطينية أو أي جهة محلية، بل إلى تكريس شكل من أشكال الوصاية الإسرائيلية المستمرة.
إنهاء للحرب بشروط قصوى
هذا الموقف يندرج ضمن سياق خطاب متكرر من قبل نتنياهو يقوم على ربط أي إنهاء للحرب بشروط قصوى: تسليم السلاح، إطلاق سراح جميع الرهائن، والقضاء على ما يصفه بـ “المعقل الأخير لحماس”. وهو بذلك يرفع سقف المطالب إلى مستوى يجعل التوصل إلى تسوية سياسية أقرب إلى المستحيل، حيث إن نزع سلاح الحركة يمثل بالنسبة للفصائل الفلسطينية خطًا أحمر، بينما ترى إسرائيل فيه الضمانة الوحيدة لأمنها.
اللافت في تصريحات نتنياهو هو محاولته نفي نية “احتلال غزة” بالمعنى التقليدي، في الوقت ذاته الذي يتحدث فيه عن استمرار السيطرة على القطاع بعد انتهاء العمليات العسكرية. هذا التناقض الظاهري يعكس في جوهره توجهًا نحو صياغة وضع أمني خاص، ربما من خلال فرض إدارة أمنية وعسكرية مشددة على غزة، مع الإبقاء على ترتيبات إنسانية ومدنية بيد أطراف أخرى، إقليمية أو دولية، بما يشبه “الوصاية متعددة المستويات”.
حماس تتحمل المسؤولية
كما أن الإشارة إلى الدعم الكامل الذي يقدمه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لهذه الاستراتيجية تحمل دلالات سياسية بالغة. فإبراز هذا الموقف في هذا التوقيت يهدف إلى تعزيز صورة نتنياهو داخليًا باعتباره يحظى بدعم قوى مؤثرة في المشهد الدولي، إضافة إلى كونه ورقة ضغط موجهة نحو إدارة الرئيس الأمريكي الحالية لإظهار أن هناك توافقًا أمريكيًا ـ إسرائيليًا عابرًا للحزبين على ضرورة القضاء على حماس.
من زاوية أخرى، هذه التصريحات تكشف عن إدراك إسرائيلي بأن الحرب بلغت مراحلها النهائية عسكريًا، لكنها لم تصل بعد إلى لحظة الحسم السياسي. فنتنياهو يلمّح إلى “اقتراب نهاية الحرب” لكنه يربطها بشكل مباشر بقرارات حماس، محمّلًا إياها مسؤولية استمرار المعاناة الإنسانية في غزة. هذه الصياغة تسعى إلى تثبيت الرواية الإسرائيلية أمام الرأي العام الغربي، الذي بات يتساءل بشكل متزايد عن جدوى استمرار الحرب وكلفتها الإنسانية الباهظة.
أزمة إقليمية
بذلك، يمكن القول إن نتنياهو يحاول أن يرسم إطارًا لمستقبل غزة يقوم على ثلاث ركائز أساسية: استمرار السيطرة الأمنية الإسرائيلية، تهميش دور حماس سياسيًا وعسكريًا، وربط أي تسوية بصفقة شاملة تشمل الرهائن ونزع السلاح. غير أن هذه الرؤية، رغم قوتها الدعائية، تصطدم بواقع ميداني وسياسي معقد، إذ إن السيطرة العسكرية لا تعني بالضرورة استقرارًا طويل الأمد، بل قد تؤدي إلى جولات جديدة من المقاومة والعنف، وتفتح الباب أمام أزمة إقليمية ودولية متجددة.






