يعكس الإعلان عن عقد مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني في العاصمة الفرنسية باريس، في 5 مارس/ آذار المقبل، توجهاً دولياً متزايداً نحو فرض مسار واضح يقوم على حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، وتمكين الدولة اللبنانية من بسط سلطتها الأمنية والعسكرية على كامل أراضيها.
زخم سياسي لمؤتمر الجيش
واكتسب هذا الإعلان زخماً سياسياً لافتاً مع تأكيد دعم اللجنة الخماسية، التي تضم المملكة العربية السعودية، والولايات المتحدة، وفرنسا، ومصر، وقطر، في خطوة تُقرأ على نطاق واسع باعتبارها جزءاً من مقاربة دولية شاملة لإعادة الاعتبار لمؤسسة الجيش اللبناني، وتعزيز قدرته على تنفيذ مهامه، وفي مقدمتها ملف نزع السلاح غير الشرعي.
وكشفت مصادر مطلعة، أن الفترة التي تسبق انعقاد المؤتمر ستشهد اجتماعات تنسيقية مكثفة بين قيادة الجيش اللبناني والدول المانحة، تهدف إلى تحديد الاحتياجات اللوجيستية والمالية والتقنية، بما يسمح بتوجيه الدعم الدولي بشكل عملي يعزز جاهزية المؤسسة العسكرية، ويمنحها هامش حركة أوسع في فرض الأمن.
يأتي هذا الحراك الدولي في ظل تصاعد الحديث عن ضرورة تطبيق فعلي لقرارات الشرعية الدولية، وعلى رأسها تلك المتعلقة ببسط سيادة الدولة ومنع وجود قوى مسلحة خارج إطارها، وسط قناعة دولية متنامية بأن استمرار الواقع الحالي يفاقم الانهيار السياسي والاقتصادي، ويُبقي لبنان رهينة التوترات الإقليمية.
تلويح حزب الله بالحرب الأهلية
وفي المقابل، لم يتأخر رد «حزب الله»، الذي لوح بورقة الحرب الأهلية في مواجهة أي مسار يستهدف سلاحه. إذ اعتبر نائب رئيس المجلس السياسي في الحزب، محمود قماطي، أن التصريحات الرسمية حول مرحلة ما بعد شمال الليطاني تعني أن الحكومة «ذاهبة إلى الفوضى واللااستقرار»، محذراً من أن هذا المسار قد يقود إلى «وضع داخلي لن يرضى به أحد، وربما إلى حرب أهلية».
وتعكس هذه التصريحات حجم التوتر السياسي والأمني الذي يرافق ملف حصر السلاح، في وقت ترى فيه أطراف لبنانية أن التهديد بالفوضى يشكل ضغطاً سياسياً يهدف إلى تعطيل أي محاولة جدية لإعادة بناء الدولة، فيما تعتبر أطراف أخرى أن غياب توافق داخلي يفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة.
وتأتي الدعوات الدولية لحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية في سياق طويل من الضغوط السياسية والدبلوماسية التي رافقت الأزمات المتراكمة في البلاد، منذ انتهاء الحرب الأهلية عام 1990، ورغم اتفاق الطائف الذي نصّ صراحة على حلّ جميع الميليشيات وتسليم أسلحتها، بقي سلاح «حزب الله» خارج هذا الإطار، تحت عناوين «المقاومة» ومواجهة إسرائيل، ما خلق معادلة استثنائية قوضت مبدأ احتكار الدولة لاستخدام القوة.
دعم لبنان وتنفيذ الإصلاحات
وعلى مدى السنوات الماضية، ربط المجتمع الدولي بين دعم لبنان مالياً واقتصادياً وبين تنفيذ إصلاحات بنيوية، في مقدمتها تعزيز سيادة الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية.
ومع الانهيار المالي غير المسبوق منذ عام 2019، تزايدت القناعة لدى الدول المانحة بأن أي استقرار مستدام يظل رهناً بتمكين الجيش اللبناني ليكون الجهة الوحيدة المخوّلة بحفظ الأمن، وضبط الحدود، وتنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة.
جدير بالذكر أن ملف السلاح في لبنان يكتسب حساسية إضافية في ظل التصعيد الإقليمي، ولا سيما على الجبهة الجنوبية، حيث أعادت المواجهات المتقطعة بين «حزب الله» وإسرائيل طرح سؤال القرار السيادي بالحرب والسلم.
ذاكرة دامية في الوعي اللبناني
وتخشى أطراف داخلية وخارجية من أن يؤدي استمرار هذا الواقع إلى جرّ لبنان إلى صراعات إقليمية لا قدرة له على تحمّل تبعاتها، في وقت يعاني فيه من هشاشة سياسية وانقسام داخلي حاد.
فيما يستحضر الخطاب التحذيري من «الحرب الأهلية» ذاكرة دامية لا تزال حاضرة في الوعي اللبناني، ويُنظر إليه باعتباره أداة ضغط لردع أي مسار يمسّ توازن القوى القائم.
وبين هذه المعادلة المعقدة، يجد لبنان نفسه أمام استحقاق تاريخي: إما إعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها بدعم دولي واضح، أو استمرار المراوحة في واقع مزدوج يهدد ما تبقى من استقرار سياسي واجتماعي.



