تتجه الأنظار إلى العلاقات الدفاعية المتنامية بين الهند والإمارات العربية المتحدة، بعد تقارير تحدثت عن محادثات بين البلدين بشأن شراء أبوظبي منظومات عسكرية هندية متقدمة، أبرزها صاروخ “براهموس” الأسرع من الصوت ونظام الدفاع الجوي “أكاشتير”.
ورغم أن المفاوضات لا تزال في مراحلها الأولية، فإنها تعكس تحولات أوسع تشهدها المنطقة، حيث تسعى دول الخليج إلى تنويع مصادر تسليحها وتعزيز قدراتها الدفاعية في ظل بيئة أمنية أكثر تعقيداً بعد التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط.
لماذا تهتم الإمارات بالمنظومات الهندية؟
شهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة تغيرات كبيرة في طبيعة التهديدات الأمنية، خصوصاً مع تنامي المخاطر المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيرة والهجمات بعيدة المدى.
وفي هذا السياق، تبحث الإمارات عن تطوير منظومتها الدفاعية عبر الجمع بين أنظمة غربية متطورة تمتلكها بالفعل وأنظمة جديدة من شركاء آخرين يمنحونها مرونة أكبر في إدارة احتياجاتها العسكرية.
ويبدو أن الهند أصبحت أحد أبرز المرشحين للعب هذا الدور، خاصة بعد النجاحات التي حققتها صناعاتها الدفاعية في السنوات الأخيرة وتحولها التدريجي من مستورد ضخم للأسلحة إلى مصدر متزايد التأثير في الأسواق الدولية.
ما الذي يميز صاروخ “براهموس”؟
يعد صاروخ “براهموس” من أشهر المشاريع العسكرية المشتركة بين الهند وروسيا، ويصنف ضمن أسرع صواريخ الكروز العملياتية في العالم.
ويتميز الصاروخ بقدرته على الانطلاق من منصات برية وبحرية وجوية، إضافة إلى سرعته العالية التي تجعل اعتراضه أكثر صعوبة مقارنة بالعديد من الصواريخ التقليدية.
كما أن مداه الذي يصل إلى نحو 290 كيلومتراً يجعله مناسباً للمهام الدفاعية والهجومية في البيئات البحرية الحساسة، وهو ما يفسر اهتمام عدد متزايد من الدول به.
ويرى خبراء أن موقع الإمارات الجغرافي، المطل على الخليج العربي والقريب من مضيق هرمز، يجعل امتلاك مثل هذه القدرات خياراً استراتيجياً لتعزيز الردع وحماية المصالح الحيوية.
أكاشتير.. عين الدفاع الجوي الهندية
إلى جانب براهموس، تشمل المحادثات نظام “أكاشتير”، وهو منظومة قيادة وتحكم متقدمة للدفاع الجوي طورتها الهند بهدف دمج المعلومات الواردة من الرادارات وأجهزة الاستشعار المختلفة وتنسيق الاستجابة للتهديدات الجوية.
ولا يمثل النظام سلاحاً هجومياً بحد ذاته، بل يعمل كعقل إلكتروني يربط مختلف وسائل الدفاع الجوي ويزيد من كفاءتها في التعامل مع الصواريخ والطائرات والطائرات المسيرة.
ويعتقد مراقبون أن هذا النوع من الأنظمة قد يشكل إضافة مهمة للبنية الدفاعية الإماراتية التي تعتمد بالفعل على منظومات أمريكية متقدمة مثل “باتريوت” و”ثاد”.
تنويع الشركاء أم إعادة رسم التحالفات؟
لا يمكن فصل هذه المفاوضات عن التغيرات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.
فالإمارات اعتمدت لعقود على الولايات المتحدة والدول الغربية كمصدر رئيسي للتسليح، لكنها في السنوات الأخيرة اتجهت نحو سياسة أكثر تنوعاً تشمل التعاون مع دول آسيوية مثل كوريا الجنوبية والهند.
ويمنح هذا التوجه أبوظبي هامشاً أوسع من الاستقلالية الاستراتيجية، ويقلل من الاعتماد على مصدر واحد للسلاح، خاصة في ظل المتغيرات المتسارعة في النظام الدولي.
في المقابل، ترى الهند في الخليج سوقاً واعدة لصناعاتها العسكرية، وفرصة لتعزيز حضورها السياسي والاستراتيجي في منطقة تعد من أهم مناطق الطاقة والتجارة العالمية.
رسالة تتجاوز الجانب العسكري
يرى محللون أن الصفقة المحتملة لا تتعلق فقط بشراء أسلحة، بل تحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية أوسع.
فالعلاقات بين الهند والإمارات شهدت خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً في مجالات التجارة والطاقة والاستثمار والتكنولوجيا، وجاء التعاون الدفاعي ليضيف بعداً جديداً لهذه الشراكة.
كما أن توسيع التعاون العسكري يمنح نيودلهي فرصة لتعزيز نفوذها الإقليمي في مواجهة تنامي أدوار قوى أخرى في المنطقة، بينما يوفر للإمارات شريكاً صاعداً يتمتع بعلاقات متوازنة مع مختلف الأطراف الدولية.
الحرب مع باكستان ترفع أسهم السلاح الهندي
أحد العوامل التي عززت الاهتمام العالمي بالمنظومات الهندية يتمثل في استخدامها العملي خلال المواجهة العسكرية الأخيرة بين الهند وباكستان.
فقد وفرت تلك المواجهة فرصة نادرة لاختبار بعض الأنظمة الهندية في ظروف قتالية حقيقية، وهو ما جذب اهتمام عدد من الدول الباحثة عن أسلحة أثبتت فعاليتها ميدانياً.
وبعد سنوات من الاعتماد على الاستيراد، بدأت الهند تحقق قفزات لافتة في صادراتها الدفاعية، مستفيدة من استثمارات ضخمة في الصناعات العسكرية المحلية ودعم حكومي واسع لتوسيع حضورها في الأسواق العالمية.
هل تقترب الصفقة من التنفيذ؟
رغم أن المفاوضات لم تصل بعد إلى مرحلة الاتفاق النهائي، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن الطرفين يمتلكان دوافع قوية للمضي قدماً في التعاون.
ويبقى العامل الروسي أحد العناصر المهمة في الملف، إذ إن أي صفقة لتصدير صواريخ براهموس تتطلب موافقة موسكو باعتبارها شريكاً أساسياً في تطوير الصاروخ.
لكن مراقبين يرون أن العلاقات الجيدة التي تربط روسيا والإمارات تجعل هذا التحدي قابلاً للتجاوز إذا ما وصلت المفاوضات إلى مراحل متقدمة.



