أعاد المصادقة المفاجئة لمجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم الخاصة بتحديد مجالات الصلاحية البحرية مع تركيا خلط الأوراق الجيوسياسية في حوض شرق المتوسط؛ حيث أعلنت القاهرة رفضها القاطع للخطوة، معتبرة المذكرة «باطلة بطلاناً مطلقاً ومعدومة الأثر القانوني»، مما أثار تساؤلات حول الخلفيات القانونية والسياسية للموقف المصري وحقيقة تأثير الخلاف على العلاقات مع أنقرة وطرابلس.
1. مرجعيات الرفض المصري: اعتداء على الجرف القاري وتجاهل القانون الدولي
مساس بالحقوق السيادية: تؤكد الخارجية المصرية ودبلوماسيون سابقون أن جوهر الاعتراض يكمن في تداخل خطوط الترسيم التركية-الليبية مع المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري لمصر، فضلاً عن «مثلث مائي» استراتيجي تعتبره القاهرة جزءاً لا يتجزأ من مياهها السيادية.
مخالفة اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (1982): تشدد القاهرة على أن المذكرة تخالف أحكام القانون الدولي وقواعد الترسيم القائمة على العدل والإنصاف، مشيرة إلى غياب حدود بحرية ملاصقة ومباشرة بين تركيا وليبيا لوجود جزر كرت واليونان وقبرص بينهما.
انعدام التنسيق الإقليمي: ترى القاهرة والاتحاد الأوروبي أن غياب التنسيق مع الدول المشاطئة المعنية قبل إبرام الاتفاق يجعل المذكرة غير معترف بها دولياً وتعدياً على اتفاقيات ترسيم الحدود المودعة أممياً التي أبرمتها مصر رسمياً مع اليونان وقبرص.
2. تحولات المشهد الليبي: تبدل التحالفات وتقاطع المصالح
انقلاب موقف برلمان الشرق: جاء اعتماد مجلس النواب الليبي للاتفاقية بالإجماع عقب تغيرات في رئاسة البرلمان وإلغاء قرار مقاطعة تركيا، وهو تحول لافت يعكس إعادة تشكيل التحالفات داخل ليبيا واستخدام ملف الطاقة وعوائد النفط ككرت ضغط قبيل حوارات سياسية مرتقبة.
هواجس التقارب: جاء تحرك المعسكر الشرقي في ليبيا رداً على انفتاح دبلوماسي مصري متزايد تجاه حكومة طرابلس، في حين تؤكد القاهرة أن تحركاتها تسعى حصراً للحفاظ على وحدة التراب الليبي ودعم إجراء الانتخابات الوطنية.
3. الصدام الجيوسياسي ومستقبل العلاقات مع أنقرة
عقيدة «الوطن الأزرق» مع احتواء الخلاف: تدرك القاهرة أن التمسك التركي بالاتفاقية يأتي لتثبيت مفهوم «الوطن الأزرق» وتوسيع نطاق النفوذ البحري لأنقرة في المتوسط، لكن خبراء ومحللين استراتيجيين يستبعدون تحول الخلاف إلى أزمة ثنائية عاصفة بين مصر وتركيا.
إدارة ملفات الخلاف والاتفاق: يرى خبراء العلوم الاستراتيجية أن وجود شراكات اقتصادية وعسكرية وصناعية واسعة، إضافة إلى الأطر الدبلوماسية المشتركة، يوفر شبكة أمان تُبقي نزاع شرق المتوسط في إطاره القانوني والسياسي دون الإضرار بمسار العلاقات الإقليمية.






