تأتي تصريحات المشير خليفة حفتر، قائد “الجيش الوطني الليبي”، التي أطلقها خلال لقائه بمشايخ وأعيان مدينة ترهونة، في لحظة سياسية بالغة التعقيد في ليبيا، حيث يتقاطع فيها الجمود السياسي مع تصاعد الضغوط الشعبية والدولية لإيجاد مخرج نهائي للأزمة المستمرة منذ أكثر من عقد. وقد حملت كلماته الأخيرة نبرة تصعيدية ورسائل سياسية متعددة الاتجاهات، سواء إلى الداخل الليبي أو إلى الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالملف الليبي، ما يجعل من هذه التصريحات محطة مهمة لفهم مآلات المشهد الليبي في المرحلة المقبلة.
حفتر، الذي أعلن أن “كل من سيقف في وجه الشعب واختياراته سيجد نفسه في مواجهة القوات المسلحة”، أراد من هذه العبارة أن يوجّه رسالة مزدوجة. فمن جهة، هو يؤكد تموضع “الجيش الوطني” كقوة ضامنة لإرادة الشعب، ومن جهة أخرى يلوّح بإمكانية تدخل عسكري مباشر في حال فشل المسار السياسي مجددًا أو استمرار ما يعتبره “هيمنة” قوى معينة على القرار الوطني. هذه اللغة العسكرية – السياسية تعيد إلى الأذهان مقاربته المعهودة في التعامل مع الأزمات الداخلية، حيث يقدم الجيش كفاعل فوق السياسيين، يمتلك الشرعية الوطنية لتصحيح المسار متى تعثّر.
مماطلة سياسية وتدخلات خارجية
تأتي هذه التصريحات في ظل تصاعد الجدل حول “خريطة الطريق السياسية” التي ترعاها بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، والتي تواجه رفضًا من الحكومة المكلفة من البرلمان في الشرق، إذ تعتبرها تجاوزا للقوانين المحلية وتدخلاً في الشأن الداخلي. تصريحات حفتر بدت، في هذا السياق، تعبيرًا واضحًا عن امتعاض المؤسسة العسكرية من المسار الأممي، وإشارة إلى أن الصبر قد نفد من المماطلة السياسية والتدخلات الخارجية. حين قال إن “كل المساعي والمبادرات الدولية فشلت في معالجة الأزمة”، فهو لم يكن يوجّه نقدًا تقنيًا، بل يعلن بوضوح فقدان الثقة في قدرة الأمم المتحدة على قيادة تسوية حقيقية تراعي التوازنات الليبية الداخلية.
وتكمن أهمية هذه الرسائل في أنها تأتي في لحظة حساسة تسبق الخطوات التنفيذية الأولى لخريطة الطريق الأممية. فالدعوة إلى “حراك شعبي سلمي يقرر مصيره”، كما وصفها حفتر، يمكن أن تُقرأ باعتبارها تمهيدًا لتحريك الشارع في الشرق الليبي ضد ما يُنظر إليه كتجاهل لموقف البرلمان والحكومة الموازية، وربما كمحاولة لإعادة رسم المشهد السياسي انطلاقًا من شرعية “الشعب” التي يتحدث عنها القائد العسكري. ورغم استخدامه مفردة “السلمي”، فإن حضور البعد العسكري في خطابه يوحي بأن هذه الحركة قد تتخذ أشكالًا أكثر حدة إذا استمر انسداد الأفق السياسي.
هل يفقد حفتر نفوذه العسكري والسياسي؟
من الناحية السياسية، يسعى حفتر عبر هذه التصريحات إلى إعادة تثبيت موقعه كفاعل رئيسي لا يمكن تجاوزه في أي تسوية قادمة. فمع تزايد الأصوات الدولية التي تنادي بتوحيد المؤسسات وإجراء انتخابات شاملة، يخشى قائد الجيش الوطني من سيناريو يتم فيه تجاوز دوره أو تحجيم نفوذه العسكري والسياسي في الشرق. لذا، يمكن النظر إلى خطابه الأخير كنوع من “الاستباق السياسي”، يرسم من خلاله خطوطًا حمراء أمام البعثة الأممية وأمام حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، مفادها أن أي ترتيبات مستقبلية لا تنال رضى القيادة العامة للجيش لن تكون قابلة للتنفيذ ميدانيًا.
وتعكس إشارات حفتر إلى “فشل المبادرات” إدراكًا عميقًا بأن الأزمة الليبية تجاوزت الأطر المؤسسية التقليدية. فبعد أكثر من عشر سنوات على سقوط النظام السابق، لم تنجح محاولات الأمم المتحدة المتكررة في إنتاج سلطة موحدة قادرة على بسط نفوذها على كامل التراب الليبي. وحتى الاتفاقات التي تمت برعاية دولية، مثل اتفاق الصخيرات أو مؤتمر برلين، بقيت حبرًا على ورق أمام تعقيدات الانقسام الداخلي والتدخلات الإقليمية. حفتر يستثمر هذا الفشل لإعادة طرح نفسه كبديل “منضبط ووطني” قادر على فرض الاستقرار عبر القوة المنظمة، في مواجهة ما يصفه بالفوضى التي تسببت فيها الطبقة السياسية في طرابلس.
ولا يمكن فصل هذه التصريحات عن التحولات الإقليمية والدولية الجارية في الملف الليبي. فالدعم الدولي لحكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة بدأ يتراجع، في حين تتنامى الدعوات لعقد تسوية جديدة تُنهي الازدواجية المؤسسية. وفي ظل غياب توافق داخلي حول قانون الانتخابات والرؤية الأمنية لما بعد التصويت، يبرز الجيش الوطني الليبي كرقم صعب في المعادلة. تصريحات حفتر تُرسل رسالة إلى العواصم المعنية، من القاهرة إلى موسكو، مرورًا بروما وباريس، بأنه ما زال الطرف الأكثر قدرة على حفظ الأمن في الشرق وربما في البلاد كلها إذا ما نال الغطاء الشعبي والسياسي المناسب.
استراتيجية تفاوضية تصعيدية
أما داخليًا، فإن حديثه عن “مرحلة مفصلية” يهدف إلى تعبئة أنصاره وحلفائه المحليين استعدادًا لتحولات محتملة. فالدعوة إلى “تحرك الشعب ليقرر مصيره” ليست بعيدة عن محاولات سابقة لتشكيل “جبهة وطنية” في الشرق الليبي، قد تكون نواة لإدارة جديدة أو حكومة موازية في حال فشل الحوار الأممي. بهذا المعنى، تبدو تصريحات حفتر جزءًا من استراتيجية تفاوضية تصعيدية، يراد منها تحسين شروط التفاوض وليس بالضرورة إطلاق مواجهة عسكرية جديدة، خاصة أنه يدرك أن أي تصعيد ميداني واسع قد يثير اعتراضات إقليمية ودولية.
على المستوى الرمزي، اختار حفتر أن يُلقي كلمته من “مدينة المشير خليفة حفتر العسكرية” بحضور أعيان ومشايخ ترهونة، وهي منطقة ذات دلالة كبيرة، كانت في السابق مركزًا للصراع خلال معارك طرابلس. هذا الاختيار يحمل رسالة رمزية واضحة بأنه ما زال يحظى بدعم اجتماعي وقبلي في مناطق كانت محورية في الحرب السابقة، وأن ولاء هذه المكونات ما زال رصيدًا سياسيًا وعسكريًا يمكن توظيفه في أي سيناريو قادم.
ليبيا أمام مرحلة مفصلية
تمثل تصريحات خليفة حفتر الأخيرة تعبيرًا عن لحظة تحوّل في الموقف الشرقي من العملية السياسية في ليبيا. فهي تؤكد رفض القيادة العامة لما تعتبره وصاية دولية على القرار الليبي، وتعيد التأكيد على أن الحسم لن يكون بيد المؤسسات الخارجية أو المبادرات الأممية، بل بيد “الشعب” كما يعرّفه حفتر ومنظومته. كما أنها تحمل تحذيرًا مبطّنًا من أن استمرار تجاهل القوى الفاعلة في الشرق قد يعيد الأزمة إلى نقطة الصفر.
بذلك، يمكن القول إن حفتر يحاول عبر هذا الخطاب استعادة زمام المبادرة، وتوجيه مسار الأحداث نحو خيارين: إما إعادة النظر في الخطة الأممية لتشمل جميع الأطراف بشروط جديدة، أو مواجهة مفتوحة بين الشرعية المحلية والشرعية الدولية. وفي الحالتين، يظل خطابه مؤشرًا على أن ليبيا تقف بالفعل أمام “مرحلة مفصلية”، قد تحدد مستقبلها بين تسوية سياسية شاملة أو انزلاق جديد نحو الانقسام والتصعيد.






