تشير التطورات الأخيرة في الداخل الإسرائيلي إلى تصاعد حالة الغليان الشعبي ضد الحكومة، ولا سيما تجاه وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع متظاهرين اعترضوا طريقه أثناء توجهه إلى كنيس في مستوطنة كفار ملال. الحادثة لم تكن مجرد مظاهرة عابرة، بل حملت دلالات عميقة على حجم الاحتقان المتزايد، حيث اتهمه المحتجون بشكل صريح بالتسبب في مقتل الأسرى الإسرائيليين المحتجزين في غزة، معتبرين مواقفه المتشددة الرافضة لصفقة التبادل “عاراً” على إسرائيل.
مأزق الحكومة
المشهد تكرس بشكل أوضح مع متابعة المتظاهرين له حتى محيط الكنيس، وهو ما أظهر حجم الغضب الشعبي حتى في الأماكن التي عادة ما تكون بعيدة عن أجواء السياسة. ومن اللافت أن من بين المحتجين ضباط احتياط، ما يعكس انتقال التململ من أوساط المجتمع المدني إلى داخل المؤسسة العسكرية، التي تشكل ركيزة أساسية في الدولة العبرية.
هذا السخط الشعبي لا ينفصل عن مواقف بن غفير وزميله وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، اللذين لوّحا بالاستقالة في حال مضى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في اتفاق مع حركة حماس لإنهاء الحرب. الموقف المتشدد للوزيرين يضع الحكومة في مأزق داخلي حقيقي، بين ضغط الشارع المتعطش لصفقة تنهي معاناة الأسرى وعائلاتهم، وضغوط التيار اليميني المتطرف الداعي إلى استمرار الحرب مهما كانت الكلفة.
صفقة تعيد الأسرى
في هذا السياق، تستعد عائلات الأسرى الإسرائيليين لتنظيم مظاهرة جديدة في تل أبيب مساء اليوم، تحت شعار “الشعب فقط هو من سيعيد جميع المخطوفين”. اختيار الشعار يعكس فقدان الثقة العميق بالمؤسسة الحاكمة، وتحويل المسؤولية إلى الشارع الإسرائيلي نفسه باعتباره الضامن الوحيد للضغط من أجل إبرام الصفقة. ومن اللافت أن الاحتجاجات لم تعد مقتصرة على الساحات العامة، بل وصلت إلى أبواب منازل كبار المسؤولين مثل وزيرة المواصلات ميري ريغيف والرئيس إسحاق هرتسوغ، حيث تلا المتظاهرون أسماء الأسرى ورفعوا صورهم، في رسالة رمزية قوية عن حجم الإحباط واليأس من أداء الحكومة.
تزامناً مع هذه الاحتجاجات، جاءت نتائج استطلاع صحيفة “معاريف” لتعزز صورة الأزمة، إذ أظهرت أن 62% من الإسرائيليين لا يثقون بحكومة نتنياهو، بينما يؤيد 72% التوصل إلى صفقة تعيد الأسرى وتنهي الحرب. هذه الأرقام تعكس تحولات جوهرية في الرأي العام الإسرائيلي، حيث أصبح السلامة الفردية للأسرى وعائلاتهم أولوية تتقدم على خطاب القوة والحسم العسكري الذي يروج له اليمين المتطرف.
ضغط شعبي
من هنا، يمكن القول إن إسرائيل تقف اليوم أمام مفترق طرق داخلي حاد. فبينما يتمسك نتنياهو وحلفاؤه بمواقفهم التقليدية في إدارة الحرب، يتنامى في المقابل ضغط شعبي متسع النطاق يرى في صفقة التبادل السبيل الوحيد لإنهاء مأساة الأسرى. استمرار هذا التباين قد يقود إلى مزيد من الانقسامات السياسية وربما إلى أزمة حكومية جديدة، خاصة إذا أصر وزراء اليمين المتطرف على ربط بقائهم في السلطة بإفشال أي اتفاق مع حماس.
إن مشاهد الاعتراض الشعبي على بن غفير، واستطلاعات الرأي التي تكشف تراجع الثقة بالحكومة، والمظاهرات المتكررة في تل أبيب، كلها مؤشرات على أن ملف الأسرى بات يتحول إلى قضية وجودية داخلية تهدد تماسك الحكومة الإسرائيلية وربما استقرارها السياسي في المرحلة المقبلة.






