الاقتحامات المتكررة التي ينفذها المستوطنون في الضفة الغربية، وآخرها إقامة بؤرة استيطانية جديدة في بلدة عطارة شمال غرب رام الله، تكشف بوضوح عن تحول خطير في طبيعة المشروع الاستيطاني الإسرائيلي.
تكريس السيطرة على الأرض
لم تعد هذه التحركات مجرد محاولات فردية أو مبادرات معزولة يقوم بها متطرفون، بل باتت جزءاً من سياسة ممنهجة ومدعومة من المؤسسة الإسرائيلية، تسعى إلى فرض واقع استعماري جديد على الأرض، خصوصاً في المناطق المصنفة استراتيجياً.
إقامة خيام وشق طرق ترابية في منطقة جبل الخربة، التي تبلغ مساحتها 2000 دونم وتعد موقعاً أثرياً مهماً، ليس عملاً عشوائياً، بل خطوة مدروسة تستهدف تكريس السيطرة على الأرض وقطع الطريق أمام أي إمكانية لاستخدامها فلسطينياً في الزراعة أو البناء. فالسيطرة على المواقع الأثرية والمرتفعات الجغرافية تمنح المستوطنين أفضلية عسكرية ورمزية في آن واحد: فهي تؤمن إشرافاً على القرى الفلسطينية المجاورة، وتعيد صياغة المشهد التاريخي بما يخدم الرواية الإسرائيلية.
شرعنة الاستيطان
المعطيات التي تشير إلى محاولات إقامة 15 بؤرة استيطانية منذ مطلع يوليو الماضي، معظمها ذات طابع زراعي ورعوي، تعكس بدورها انتقال الاستيطان من النمط التقليدي القائم على البناء الحجري أو التوسّع العمراني إلى نمط جديد أكثر مرونة وسرعة في فرض الوقائع.
البؤر الزراعية والرعوية تتيح للمستوطنين وضع اليد على مساحات واسعة من الأراضي المفتوحة، تحت غطاء النشاط الزراعي أو الرعوي، ثم تتحول تدريجياً إلى نواة لمستوطنات دائمة. هذا النمط يشير إلى محاولة إعادة إنتاج تجربة “النقاط الاستيطانية العشوائية” التي طالما وُصفت بأنها خارج القانون الإسرائيلي، لكنها في النهاية تحظى بالشرعنة والدعم الرسمي بعد سنوات قليلة.
ما يجري في الضفة الغربية، سواء في رام الله أو الخليل أو سلفيت أو غيرها، يكشف عن إستراتيجية تقوم على تفتيت الجغرافيا الفلسطينية وربط المستوطنات القائمة بشبكة من البؤر الجديدة، بما يحوّل الأرض إلى كانتونات معزولة. هذا التوسع يقوّض إمكان إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، ويعزز عزل القدس عن محيطها الفلسطيني، ويجعل من أي حديث عن حل الدولتين أقرب إلى الوهم السياسي.
رسائل سياسية
في الوقت ذاته، تحمل هذه الاقتحامات دلالات تتجاوز البعد الجغرافي؛ فهي رسائل سياسية موجهة إلى الفلسطينيين مفادها أن لا مكان لهم في هذه الأرض إلا كجماعات محاصرة ومطاردة. كما أنها رسائل إلى المجتمع الدولي، خصوصاً في ظل انشغاله بأزمات إقليمية ودولية أخرى، بأن إسرائيل ماضية في مشروعها الاستيطاني بلا تردد أو خشية من المساءلة.
ورغم الإدانات المتكررة من السلطة الفلسطينية والمؤسسات الدولية، إلا أن غياب آليات ردع فعلية يجعل هذه الممارسات تتسارع بلا قيود. في المقابل، تترك هذه التطورات آثاراً مباشرة على حياة الفلسطينيين اليومية: فقدان الأراضي الزراعية، تهديد مصادر الرزق، وتصاعد الاحتكاكات العنيفة التي تنذر بموجات جديدة من المواجهات.
تغيير ملامح الضفة
بهذا المعنى، لا يمكن النظر إلى إقامة بؤرة جديدة في عطارة أو غيرها كحادثة محلية محدودة، بل كجزء من مشروع استراتيجي متدرج يرمي إلى تغيير ملامح الضفة الغربية ديموغرافياً وجغرافياً. استمرار هذه السياسة، في ظل صمت أو عجز دولي، يعني أن الضفة الغربية مقبلة على مرحلة أكثر تعقيداً، حيث يصبح الاستيطان أداة رئيسية لتكريس واقع الاحتلال وتحويله إلى أمر واقع طويل الأمد.




