في تطور يعكس رغبة القاهرة في أن تكون طرفًا محوريًا في مساعي إنهاء الحرب الدائرة على قطاع غزة، أعلنت مصر الاثنين استعدادها للمشاركة في قوة دولية مشتركة قد تُنشر بقرار من مجلس الأمن الدولي، شرط أن يقترن ذلك بـ”أفق سياسي” يضمن عدم اقتصار التدخل على الجانب العسكري والأمني فقط. هذا الموقف يعكس إدراكًا مصريًا بأن أي تسوية للصراع لن تتم بمعزل عنها أو بتهميش دورها الإقليمي.
زيارة ميدانية ورسائل سياسية من معبر رفح
وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي، وبرفقة رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى، زارا الجانب المصري من معبر رفح الحدودي مع غزة، في مشهد أراد أن يكون أكثر من مجرد تفقد ميداني، بل رسالة سياسية واضحة مفادها أن مصر في قلب الملف الفلسطيني ولن تُختزل أدوارها في المساعدات الإنسانية أو الوساطات.
وخلال مؤتمر صحفي عقده عند المعبر، قال عبدالعاطي إن القاهرة “متأهبة للمساعدة والمساهمة في أي قوة دولية مشتركة يتم نشرها في غزة وفق معايير واضحة”، موضحًا أن أول هذه المعايير هو صدور قرار من مجلس الأمن يحدد طبيعة المهمة، والثاني أن يكون ذلك في إطار أفق سياسي يفضي إلى تسوية واقعية. وأضاف الوزير المصري: “بلا أفق سياسي سيكون من غير المنطقي نشر أي قوات هناك.”
القاهرة تتحرك لتفادي سيناريو التهميش
حديث القاهرة عن إرسال قوات إلى غزة لم يكن بمعزل عن حراك دبلوماسي أوسع يدرس ملامح اليوم التالي للحرب، ومن بين الأفكار المطروحة أن تحل قوة متعددة الجنسيات محل حكم حركة حماس في القطاع. ويرى مراقبون أن مشاركة مصر، إلى جانب مكونات عربية أخرى، ستمنح هذه القوة قبولًا أكبر لدى الفلسطينيين، خلافًا لسيناريوهات تُفرض من خارج المحيط العربي.
ويبدو أن هذه الرؤية تتقاطع مع تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لشبكة فوكس نيوز الأميركية، حيث قال: “هدفنا ليس احتلال غزة، بل إقامة إدارة مدنية غير مرتبطة بحماس ولا بالسلطة الفلسطينية، على أن تتسلم قوات عربية الحكم وتوفر حياة جيدة لسكان غزة دون أن تهددنا.”
السلطة الفلسطينية تبحث عن تثبيت شرعيتها في غزة
من جانبه، أكد رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى أن “لجنة إدارة قطاع غزة” التي ستُعلن عنها حكومته بعد انتهاء العدوان ستكون مؤقتة ومرجعيتها الحكومة الفلسطينية، نافياً أن تكون كيانًا سياسيًا بديلاً. وقال إن الحكومة الفلسطينية هي “الجهة التنفيذية الوحيدة المخولة بإدارة شؤون غزة”، مؤكداً أنها قادرة على تحمل هذه المسؤولية بالتعاون مع الدول الصديقة والشقيقة.
بهذا الطرح، تسعى السلطة الفلسطينية إلى تثبيت موقعها كمرجع سياسي وإداري للقطاع، بما يقطع الطريق على أي ترتيبات بديلة تُفرض على الواقع الفلسطيني.
مصر بين حماية أمنها القومي وتعزيز دورها الإقليمي
تتحرك القاهرة على أكثر من مسار، فهي من جهة تدعم السلطة الفلسطينية في مسعاها لإعادة الإمساك بزمام الأمور في غزة، ومن جهة أخرى تحرص على منع أي ترتيبات إقليمية أو دولية تتجاوز دورها أو تمس أمنها القومي. فالتداعيات المتواصلة للحرب على غزة تفتح الباب أمام تحولات استراتيجية في المنطقة، الأمر الذي يفسر اندفاع مصر إلى قلب الحراك الدبلوماسي.
موقف مصري قطري موحّد ضد الاحتلال والتهجير
وفي سياق متصل، أكد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، خلال لقائه رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني بالقاهرة، على رفض مصر القاطع لإعادة الاحتلال العسكري لقطاع غزة أو أي محاولات لتهجير الفلسطينيين من أرضهم. اللقاء الذي حضره رئيس المخابرات العامة المصرية والوفد الأمني القطري، حمل دلالة على تنسيق إقليمي متزايد لقطع الطريق أمام أي مشاريع قد تؤدي إلى إعادة رسم الخريطة الديمغرافية والسياسية في غزة.
مصر تثبّت معادلة “لا حل دونها”
من خلال هذه المواقف، تسعى القاهرة إلى ترسيخ معادلة واضحة في أي تسوية مقبلة: لا حلول يمكن أن تُفرض على غزة دون المرور عبرها. فمصر التي تشترك بحدود مباشرة مع القطاع وتدرك انعكاسات الحرب على أمنها الداخلي والإقليمي، تضع شروطها بوضوح: أفق سياسي شامل، قوة عربية ضمن إطار دولي، ودور مركزي للسلطة الفلسطينية.
وبذلك، تُذكّر القاهرة المجتمع الدولي أن أي ترتيبات تخص غزة دون مشاركة مصر محكوم عليها بالفشل، وأن دورها سيظل حجر الزاوية في أي حل دائم للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.







