لم يعد البرنامج النووي الإيراني وحده محور التوتر بين طهران وواشنطن. فمع اتساع رقعة المواجهة العسكرية، برز مضيق هرمز باعتباره الساحة الأكثر حساسية في الصراع، بعدما تحوّل من ممر ملاحي دولي إلى أداة ضغط استراتيجية تمتلكها إيران في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.
فبينما كانت العقوبات والملف النووي يمثلان لعقود جوهر الخلاف بين الطرفين، بات أمن الملاحة في المضيق اليوم عنواناً جديداً للأزمة، في ظل مخاوف من اضطراب إمدادات الطاقة العالمية وعودة أسواق النفط إلى دائرة التقلبات الحادة.
هرمز.. نقطة الاختناق التي تتحكم في تجارة الطاقة
يقع مضيق هرمز بين الخليج العربي وبحر العرب، ويعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تعبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز القادمة من دول الخليج نحو الأسواق العالمية.
ولهذا السبب، ينظر إلى المضيق باعتباره شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، وأي اضطراب في حركة الملاحة داخله ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.
كيف فرضت إيران واقعاً جديداً؟
قبل اندلاع المواجهة العسكرية في أواخر فبراير، كانت السفن التجارية تعبر المضيق وفق نظام الملاحة الدولي الذي أقرته المنظمة البحرية الدولية منذ عام 1968، عبر ممرين مخصصين لحركة الذهاب والإياب.
وكان يعبر المضيق يومياً نحو 120 سفينة بين ناقلات نفط وسفن تجارية.
لكن مع بداية العمليات العسكرية، أعلن الحرس الثوري الإيراني عزمه إغلاق المضيق، محذراً من وجود منطقة بحرية واسعة يُشتبه في احتوائها على ألغام، الأمر الذي دفع العديد من شركات الشحن إلى تعليق رحلاتها أو تغيير مساراتها.
وسرعان ما تراجعت حركة الملاحة بشكل ملحوظ، بينما ردت الولايات المتحدة بتشديد الضغوط على الموانئ الإيرانية، لتدخل تجارة الطاقة العالمية مرحلة من الاضطراب انعكست على أسعار النفط التي تجاوزت حاجز 120 دولاراً للبرميل.
مذكرة تفاهم… لكن بشروط إيرانية
لاحقاً، سمحت مذكرة تفاهم بين الطرفين بإعادة فتح المضيق واستئناف جزء من الحركة التجارية.
غير أن الاتفاق لم يُعد الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الأزمة، إذ تعهدت إيران بضمان المرور الآمن للسفن التجارية لمدة ستين يوماً فقط، قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على فرض رسوم مقابل الخدمات التي تقدمها داخل المضيق.
وترى طهران أن النظام السابق للملاحة لن يعود، معتبرة أن التطورات العسكرية منحتها واقعاً جديداً يكرس نفوذها على هذا الممر البحري.
ممر واحد تحت الرقابة
وفق الترتيبات الجديدة، أصبح المرور يتركز في ممر ملاحي واحد بمحاذاة السواحل الإيرانية، بينما أصبحت بعض السفن تلجأ إلى الطريق القريب من السواحل العمانية، وهو مسار أكثر ضيقاً وتعقيداً بسبب المخاطر الأمنية واحتمالات وجود ألغام بحرية.
كما دفعت المخاوف الأمنية عدداً من السفن إلى إيقاف أجهزة التعريف الآلي الخاصة بها لتقليل فرص تتبعها، وهو ما زاد من تعقيد حركة الملاحة ورفع مستوى المخاطر البحرية.
وفي ظل تزايد الحوادث، أطلقت المنظمة البحرية الدولية خططاً لإجلاء آلاف البحارة العالقين في الخليج، كما دعت شركات الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر.
ماذا يقول القانون الدولي؟
تنص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار على ضمان حرية المرور في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، بما في ذلك مضيق هرمز.
إلا أن إيران لم تصادق على الاتفاقية، رغم أن كثيراً من خبراء القانون الدولي يعتبرون قواعد العبور فيها جزءاً من القانون الدولي العرفي الملزم لجميع الدول.
ومن هنا يبرز الخلاف القانوني؛ إذ ترى واشنطن والدول الغربية أن المرور يجب أن يبقى حراً ومن دون قيود، بينما تؤكد طهران حقها في تنظيم الملاحة داخل المياه التي تشرف عليها، خصوصاً في ظل الظروف الأمنية الحالية.
البعد الاقتصادي… البحث عن مصادر دخل جديدة
لا يقتصر الموقف الإيراني على الجانب الأمني فحسب، بل يمتد إلى الجانب الاقتصادي أيضاً.
فبعد سنوات طويلة من العقوبات الدولية والخسائر التي خلفتها المواجهات العسكرية، تسعى طهران إلى إيجاد مصادر إيرادات جديدة، عبر فرض ما تصفه بـ”رسوم الخدمات” أو “تكاليف التأمين البحري”، بدلاً من الحديث عن رسوم عبور مباشرة.
وتعتبر إيران أن هذه الإجراءات تمثل مقابلاً للحماية والخدمات الأمنية التي توفرها للسفن العابرة، في حين تنظر إليها الولايات المتحدة باعتبارها محاولة لفرض أمر واقع جديد على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
لماذا يمثل هرمز ورقة ضغط استراتيجية؟
تكمن أهمية مضيق هرمز في أن السيطرة على حركة الملاحة داخله تمنح إيران وسيلة ضغط تتجاوز حدود المواجهة العسكرية التقليدية.
فأي تعطيل للمضيق لا يؤثر على الولايات المتحدة وحدها، بل يمتد إلى الاقتصادات الآسيوية والأوروبية المعتمدة على نفط الخليج، وهو ما يمنح طهران قدرة على التأثير في الأسواق العالمية حتى دون الدخول في مواجهة مباشرة.
ولهذا يصف مسؤولون إيرانيون المضيق بأنه أحد أهم عناصر القوة الاستراتيجية للدولة، معتبرين أن الحفاظ على النفوذ فيه لا يقل أهمية عن امتلاك وسائل الردع العسكرية.






