أوقف مطار الملك خالد الدولي في الرياض عملياته مؤقتاً عقب هجوم صاروخي أسفر عن إصابات، فيما دعت سفارات غربية رعاياها إلى الابتعاد عن المطار وألغت الخطوط الجوية الكويتية رحلاتها من العاصمة السعودية وإليها. وبين تهديدات الحوثيين وتصاعد المعارك في اليمن، يفتح استهداف منشآت الطيران السعودية جبهة جديدة في الصراع الإقليمي، وسط تلويح أميركي بإمكانية المشاركة في ضربات ضد الجماعة.
تعرض مطار الملك خالد الدولي في العاصمة السعودية الرياض، السبت، لهجوم جديد أسفر عن إصابة عدد من الأشخاص، وفق ما أعلنته الهيئة العامة للطيران المدني السعودية، التي قررت تعليق العمليات التشغيلية مؤقتاً إلى حين تقييم الأضرار والتحقق من سلامة المنشآت.
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر دبلوماسي مطلع أن الهجوم نُفذ بصاروخ أطلقه الحوثيون في اليمن، فيما أفاد مصدر طبي في أحد مستشفيات الرياض بإصابة عشرات الأشخاص، بينهم خمسة على الأقل يتلقون العلاج في أقسام العناية المركزة.
وتحدث شهود عن عمليات إخلاء داخل المطار، وسط حالة من الارتباك بين المسافرين، في حين دعت سفارات غربية مواطنيها إلى تجنب التوجه إلى المنشأة، وأعلنت الخطوط الجوية الكويتية إلغاء رحلات من الرياض وإليها بسبب إغلاق المطار.
ويأتي الهجوم في أعقاب ضربات سابقة استهدفت مطارات سعودية خلال الأسبوع نفسه، وأسفرت، وفق السلطات السعودية، عن سقوط قتلى وجرحى، في تطور يعكس اتساع نطاق المواجهة بين الحوثيين والرياض، بالتزامن مع تصاعد العمليات العسكرية في اليمن.
ترامب يلوّح بالمشاركة في ضربات ضد الحوثيين
في أول تعليق له على الهجوم، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه علم بوقوع الهجوم على مطار الرياض، مضيفاً أن واشنطن ستتخذ قرارها بسرعة.
وقال ترامب رداً على سؤال بشأن احتمال مشاركة الولايات المتحدة في الضربات ضد الحوثيين: «ربما نشارك بالضربات على الحوثيين، وسندرس الأمر».
ولا يشكل هذا التصريح إعلاناً عن قرار عسكري نهائي، لكنه يعكس احتمال انتقال الموقف الأميركي إلى مستوى أكثر مباشرة من الانخراط في المواجهة، إذا قررت واشنطن الاستجابة للتصعيد الذي يستهدف الأراضي السعودية ومنشآتها المدنية.
ويكتسب الموقف أهمية إضافية في ظل ارتباط أمن الملاحة الجوية والبحرية في المنطقة بحركة التجارة والطاقة، فضلاً عن تداعيات أي توسع في العمليات العسكرية على العلاقات الإقليمية ومسارات الصراع في اليمن.
لكن طبيعة الرد الأميركي المحتمل ستظل مرتبطة بتقدير واشنطن للمخاطر العسكرية والسياسية، وبمدى التنسيق مع السعودية وحلفائها، فضلاً عن حسابات تجنب توسيع الحرب إلى مواجهة إقليمية أوسع.
سفارات غربية تحذر.. وتعليق الرحلات يزيد اضطراب حركة الطيران
دفعت التطورات الأمنية سفارات غربية في السعودية إلى اتخاذ إجراءات احترازية. ودعت سفارات كندا وألمانيا وإسبانيا رعاياها إلى الابتعاد عن مطار الرياض، فيما أفاد دبلوماسي غربي بأن بعثات عدة قررت منع موظفيها من استخدام المطار خلال الأسبوع التالي.
ونبهت السفارة الإسبانية، عبر منصة «إكس»، إلى وقوع هجوم جديد على المطار، في حين أصدرت بعثات غربية أخرى تحذيرات بشأن الوضع الأمني والأنشطة العسكرية الجارية.
من جهتها، أعلنت الخطوط الجوية الكويتية إلغاء رحلاتها من الرياض وإليها، مشيرة إلى إغلاق المطار بسبب الوضع الأمني.
وتعكس هذه الإجراءات اتساع التداعيات المباشرة للهجمات، التي لم تعد تقتصر على الأضرار البشرية والمادية، بل باتت تطال حركة النقل الجوي وسلامة المسافرين والعمليات التشغيلية للمطارات.
كما أن تكرار الاستهدافات خلال فترة زمنية قصيرة يفرض على شركات الطيران إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بالرحلات إلى السعودية، ويزيد احتمالات الإلغاء والتحويل والتأخير، حتى في الحالات التي لا تتعرض فيها الطائرات أو المدارج لأضرار مباشرة.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة إلى الرياض، التي تسعى إلى تعزيز موقعها مركزاً إقليمياً للأعمال والسياحة والاستثمار. فاستمرار التهديدات للمطارات المدنية قد يفرض كلفة إضافية على حركة السفر والأنشطة الاقتصادية، ويضع سلطات الطيران أمام تحدي الجمع بين استمرارية التشغيل ومتطلبات الأمن.
استهداف متكرر للمطارات السعودية
لا يأتي الهجوم الأخير بمعزل عن سلسلة من الضربات التي طالت منشآت الطيران السعودية خلال الأيام الماضية.
وكانت السلطات السعودية قد أعلنت سقوط قتلى وجرحى في هجمات سابقة استهدفت مطاري الملك خالد في الرياض وأبها، فيما أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن بعض تلك الهجمات، وتحدثوا عن استهداف منشآت داخل المملكة.
وتكشف هذه الهجمات عن تحول المطارات والبنية التحتية المدنية إلى نقاط ضغط في المواجهة، بما يوسع دائرة التأثير خارج ساحات القتال التقليدية.
وبالنسبة إلى الحوثيين، فإن تهديد المجال الجوي السعودي يمكن أن يشكل وسيلة للضغط على الرياض، خصوصاً في ظل استئناف العمليات العسكرية داخل اليمن. لكن استهداف منشآت مدنية يرفع في المقابل المخاطر على السكان والمسافرين، ويزيد احتمالات الرد العسكري واتساع دائرة المواجهة.
وفي هذا السياق، جدد المتحدث العسكري باسم الحوثيين، يحيى سريع، السبت، القول إن الجماعة ستسمح بالرحلات الإنسانية من مطار الرياض وإليه، شريطة حصولها على تصاريح من مركز تنسيق العمليات الإنسانية في صنعاء.
ويعكس هذا التصريح محاولة لربط حركة الطيران بشروط تحددها الجماعة، في وقت تتواصل فيه التهديدات الأمنية للملاحة الجوية. غير أن مدى قدرة الحوثيين على فرض هذه الشروط عملياً، أو تأثيرها في حركة الطيران الدولية، يظل مرتبطاً بتطورات الميدان ومواقف السلطات وشركات الطيران.
باب المندب.. جبهة برية تتصل بحسابات البحر الأحمر
بالتوازي مع التصعيد حول المطارات السعودية، تشهد مناطق غرب اليمن ومحيط مضيق باب المندب تحركات عسكرية متسارعة.
وأفادت مصادر عسكرية يمنية موالية للحكومة المعترف بها دولياً بأن القوات المدعومة من التحالف الذي تقوده السعودية تتقدم في محيط المضيق، ضمن عملية تهدف إلى استعادة مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين.
في المقابل، أكد الحوثيون استمرار سيطرتهم على مناطق في الساحل الغربي، فيما تحدثت وسائل إعلام تابعة لهم عن غارات سعودية استهدفت مناطق قرب باب المندب ومطار صنعاء.
وتشير هذه الروايات المتعارضة إلى استمرار المعارك على جبهة استراتيجية تتجاوز أهميتها حدود اليمن، بالنظر إلى موقع المضيق عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر واتصاله بخطوط الملاحة الدولية.
ويكتسب باب المندب أهمية إضافية بالنسبة إلى السعودية في ظل الاضطرابات التي تطال الملاحة في مضيق هرمز، إذ يمثل البحر الأحمر أحد المسارات الحيوية لحركة التجارة ونقل النفط. ولذلك، فإن تغير موازين السيطرة على الساحل الغربي اليمني قد تكون له انعكاسات تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة.
ومع ذلك، فإن الحديث عن تقدم ميداني أو تغير في السيطرة على المضيق يحتاج إلى التمييز بين تصريحات الأطراف المتحاربة والتحقق المستقل من الوقائع على الأرض، خصوصاً في ظل تضارب الروايات بشأن نتائج العمليات الجارية.
من التهدئة إلى التصعيد.. ماذا تغير في مسار الحرب؟
شهدت الحرب في اليمن فترات من خفض التصعيد النسبي، لكن المواجهة عادت إلى التوسع مع احتدام الصراع الإقليمي وتزايد الهجمات على المنشآت السعودية.
وبحسب المعطيات الواردة، وسع الحوثيون مناطق سيطرتهم خلال سبتمبر/أيلول على حساب القوات الحكومية، بما شمل أجزاء من الساحل الغربي المطل على البحر الأحمر. وفي المقابل، كثف التحالف بقيادة السعودية ضرباته دعماً للقوات الحكومية التي بدأت هجوماً لاستعادة مناطق خسرتها في الأسابيع السابقة.
ويشير تزامن الهجمات على المطارات السعودية مع التحركات العسكرية في اليمن إلى ترابط متزايد بين الجبهتين: فالتصعيد داخل الأراضي اليمنية يقابله ضغط على المنشآت السعودية، بينما قد تدفع الهجمات على البنية التحتية المدنية الرياض إلى توسيع عملياتها العسكرية.
وتعني هذه المعادلة أن احتمالات احتواء التصعيد لا ترتبط فقط بوقف الهجمات العابرة للحدود، بل أيضاً بمسار المعارك داخل اليمن، وبمستقبل السيطرة على المواقع الاستراتيجية المطلة على البحر الأحمر.
كما أن اتساع نطاق العمليات قد يعقد فرص العودة إلى التهدئة، في ظل تعدد الأطراف وتداخل الحسابات المحلية والإقليمية، فضلاً عن صعوبة فصل النزاع اليمني عن التوترات الأوسع في المنطقة.
هل تتجه المواجهة إلى مرحلة أكثر خطورة؟
يحمل استهداف مطار الرياض دلالات تتجاوز حجم الأضرار المباشرة، إذ يضع أمن الطيران المدني في قلب المواجهة، ويزيد الضغوط على السعودية وحلفائها لتحديد طبيعة الرد على الهجمات المتكررة.
وتواجه الرياض معادلة صعبة: تعزيز الردع العسكري ومنع تكرار الاستهدافات، من دون الانزلاق إلى تصعيد أوسع قد يفتح جبهات إضافية أو يزيد المخاطر على المنشآت الحيوية وحركة النقل والطاقة.
أما واشنطن، فتجد نفسها أمام اختبار يتعلق بمدى استعدادها للانتقال من الدعم السياسي والأمني إلى مشاركة عسكرية مباشرة، وهو خيار قد يحمل تداعيات على نطاق المواجهة وطبيعة الرد الحوثي.
وفي المقابل، فإن استمرار التهديدات للمطارات والمنشآت المدنية قد يزيد عزلة الحوثيين ويعرضهم لضغوط عسكرية ودبلوماسية إضافية، لكنه لا يضمن في حد ذاته تغيير موازين السيطرة داخل اليمن أو دفع الأطراف إلى تسوية سياسية.
وفي المحصلة، يتجاوز الهجوم الأخير كونه حادثاً أمنياً في مطار دولي؛ فهو يأتي في لحظة يتقاطع فيها التصعيد داخل اليمن مع التنافس على الممرات البحرية ومخاطر اتساع المواجهة الإقليمية. وبين التحركات العسكرية حول باب المندب والتهديدات التي تطال المطارات السعودية، يبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كانت الضغوط المتبادلة ستدفع الأطراف إلى إعادة حساباتها، أم ستفتح الباب أمام مرحلة أكثر اتساعاً من الصراع، تتجاوز آثارها اليمن والسعودية إلى أمن الملاحة والتجارة في المنطقة بأسرها.






