شهدت محافظة السويداء، أمس السبت، تراجعاً ملحوظاً في حجم المشاركة بمظاهرات «حق تقرير المصير» التي دأب ناشطون على تنظيمها أسبوعياً.
وأظهرت الصور المتداولة اقتصار الحضور على عشرات في «ساحة الكرامة» بمدينة السويداء، وعدد مماثل في مدينة شهبا، مقارنة بالحشود الأكبر التي شهدتها الأسابيع الماضية.
شعارات انفصالية ولافتات لافتة
رغم تراجع الأعداد، برزت خلال المظاهرات شعارات ذات دلالات قوية؛ إذ رُفع العلم الإسرائيلي إلى جانب راية الطائفة الدرزية، كما حملت بعض اللافتات عبارات مثل «خيارنا الوحيد الاستقلال» و«حق تقرير المصير حق مقدس».
كما ظهرت عبارة «أحرار الباشان» في إشارة تاريخية إلى جبل العرب، ما اعتُبر رسالة رمزية إلى الخارج، ومؤشراً على تصاعد الخطاب الانفصالي بين ناشطين محليين.
دمشق تُسرّع التحضيرات الانتخابية
بالتوازي مع تراجع زخم الشارع في السويداء، تكثّف دمشق جهودها لإتمام انتخابات مجلس الشعب بين 15 و20 سبتمبر (أيلول) الحالي، قبل مشاركة الرئيس أحمد الشرع في الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.
وتعتبر السلطات أن إنجاز الاستحقاق النيابي خطوة أساسية لإدارة المرحلة الانتقالية، ورسالة إلى المجتمع الدولي حول التزامها بالمسار الدستوري والسياسي.
وأعلنت اللجنة العليا للانتخابات توقيع مذكرات تفاهم مع خمس منظمات مجتمع مدني، لتطوير برامج تدريبية وتوعوية مرتبطة بالعملية الانتخابية.
ووصفت اللجنة هذه الخطوة بأنها جزء من «الحرص على ضمان النزاهة والشفافية الكاملة»، في وقت يرى فيه مراقبون أن دمشق تحاول كسب شرعية إضافية قبل مواجهة استحقاقات أممية ودولية كبرى.
بين الداخل والخارج.. رسائل متناقضة
يقرأ مراقبون تراجع مظاهرات السويداء باعتباره انعكاساً لمحدودية الدعم الشعبي لمطلب «تقرير المصير»، أو نتيجة ضغوط أمنية وداخلية. في المقابل، يذهب آخرون إلى أن مجرد استمرار التظاهرات، ولو بأعداد قليلة، يعكس إصرار ناشطين على إيصال رسائل سياسية حادة إلى النظام والمجتمع الدولي.
أما دمشق، فتركّز على إنجاز انتخاباتها لتصل إلى نيويورك محمّلة بأوراق تفاوضية جديدة، وسط ترقب لما إذا كان ملف الجنوب السوري سيُطرح في كواليس الأمم المتحدة.
يحذر خبراء من أن التلويح بحق «تقرير المصير» قد يمنح قوى إقليمية فرصة لاستغلال الملف كورقة ضغط على دمشق، خصوصاً في ظل التجاذبات القائمة بين إيران وإسرائيل على الأراضي السورية.
ويرى هؤلاء أن رفع العلم الإسرائيلي في المظاهرات لا يخلو من محاولات لفتح ثغرة حساسة في البنية الوطنية السورية.
من جانبها، تتعامل أطراف في المعارضة بحذر مع ما يجري في السويداء. فبينما تُبدي بعض القوى تفهماً لمطالب المحتجين، تخشى أطراف أخرى أن يؤدي الخطاب الانفصالي إلى تشويه صورة الحراك الشعبي وإضعاف الزخم السياسي للمعارضة في المحافل الدولية.
دور الطائفة الدرزية
على المستوى المحلي، يبرز موقف مشايخ العقل للطائفة الدرزية كعامل أساسي في ضبط إيقاع الاحتجاجات، إذ تؤكد مصادر محلية أن القيادات الدينية ما زالت تحافظ على خطاب وسطي، يرفض التصعيد ويدعو إلى الحوار مع الدولة، ما ساهم جزئياً في تراجع الحشود بالمظاهرات الأخيرة.
وتراهن دمشق على أن الانتخابات المقبلة ستوفر لها منصة سياسية لتأكيد شرعيتها أمام الداخل والخارج. فنجاحها في إنجاز الاستحقاق بسلاسة قد يُستخدم كورقة تفاوضية في الأمم المتحدة، في حين أن أي مقاطعة أو طعن في نزاهة العملية قد يضعف الموقف السوري في المحافل الدولية.
المستقبل بين التصعيد والتهدئة
وتتباين التقديرات حول مآلات المشهد في السويداء. فالبعض يرى أن ضعف الحشود مؤشر على تراجع الحراك تدريجياً، بينما يتوقع آخرون أن يستعيد زخمه إذا لم تلبِّ الحكومة مطالب اقتصادية وخدمية عاجلة.
وفي جميع الأحوال، يبقى ملف السويداء محكوماً بالتوازن الدقيق بين تحركات الداخل وحسابات الخارج، وسط ترقب شديد لنتائج الانتخابات وأثرها على الخطاب السياسي السوري في الأمم المتحدة.







