أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس مقتل أبو عبيدة، الناطق العسكري باسم كتائب عز الدين القسام، في غارة جوية استهدفت شقة سكنية بمدينة غزة. وبينما سارعت وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى تقديم العملية بوصفها إنجازاً أمنياً، فضّلت حركة “حماس” التزام الصمت لساعات قبل أن تؤكد مصادرها الخبر عبر العائلة وأعضاء من الجناح العسكري.
شخصية تحولت إلى “صوت الحرب”
منذ عام 2002 ارتبط اسم أبو عبيدة، واسمه الحقيقي حذيفة الكحلوت، بخطاب القسام العسكري. صوته الأجش، وظهوره الدائم باللثام، منحاه حضوراً استثنائياً في الحرب النفسية والإعلامية. فبالنسبة لأنصاره كان يمثل “رمز التحدي”، أما في الرواية الإسرائيلية فقد صُوِّر كأحد أبرز وجوه “التحريض” والتعبئة.
أبو عبيدة، المولود في مخيم جباليا عام 1985، درس أصول الدين في الجامعة الإسلامية بغزة، لكن مساره لم يتجه إلى المنابر الدينية التقليدية، بل إلى واجهة المواجهة الإعلامية – العسكرية، حيث صار خلال عقدين بمثابة الناطق باسم جيل كامل من المقاتلين.
ضربة عسكرية أم محاولة لقطع الشيفرة الرمزية؟
العملية العسكرية التي أودت بحياة أبو عبيدة لا تقتصر على إسكات صوت إعلامي؛ إذ يعتبره محللون إسرائيليون امتداداً للجهاز القيادي للقسام، بحكم قربه من محمد الضيف ويحيى السنوار. وبالتالي، فإن استهدافه يندرج في سلسلة محاولات لتفكيك البنية القيادية للحركة.
غير أن السؤال الأوسع يتمثل في ما إذا كانت تصفية شخصية بهذه الرمزية قادرة فعلاً على إضعاف حماس. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الحركة غالباً ما تعيد إنتاج خطابها وشخصياتها البديلة بسرعة، مما يجعل المكسب العسكري آنياً أكثر من كونه استراتيجياً.
ثمن إنساني يتفاقم
الغارة التي أُعلن أنها استهدفت أبو عبيدة لم تمر من دون خسائر واسعة. فقد أفاد الدفاع المدني في غزة بسقوط 24 قتيلاً على الأقل، بينهم مدنيون كانوا بالقرب من موقع القصف. وجاء ذلك بعد يوم واحد فقط من مقتل 66 شخصاً في غارة مماثلة على حي الرمال، حيث يُعتقد أن الناطق العسكري كان يختبئ مع عائلته.
هذه الأرقام تعكس أن الحرب في غزة لم تعد تقتصر على المواجهة بين “القسام” والجيش الإسرائيلي، بل باتت تدفع كلفتها المباشرة الأحياء السكنية والمراكز المدنية.
ما بعد أبو عبيدة
يُجمع مراقبون على أن غياب أبو عبيدة لن ينهي الخطاب العسكري لحماس، لكنه يترك فراغاً رمزياً لن يكون من السهل ملؤه. فالرجل لم يكن مجرد متحدث، بل صانع صورة وصوت ظل يرافق كل جولة تصعيد منذ أكثر من عقدين.
ومع استمرار إسرائيل في ملاحقة قيادات الحركة “داخل غزة وخارجها”، يبقى الرهان قائماً على مدى قدرة حماس على استثمار هذه الخسائر في تعزيز خطابها، أو على العكس، دخولها مرحلة تراجع في التعبئة الشعبية والإعلامية.






