الخسائر التي تكبدها جيش الاحتلال الإسرائيلي في رفح، والتي كان آخرها مقتل أربعة ضباط بينهم قائد سرية وثلاثة طلاب عسكريين، تكشف عن ثغرات بنيوية عميقة في الأداء الميداني للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية. هذه الحادثة لا يمكن قراءتها بمعزل عن سلسلة الإخفاقات المتكررة في التعامل مع التهديدات في غزة، خصوصًا مع الاعتراف الصريح من ضباط وجنود بأن المنطقة كانت مصنفة “شديدة الخطورة” منذ أسابيع، وأن التحذيرات بشأن احتمال وجود عبوات ناسفة قد تكررت مرارًا. ما جرى يعكس خللاً في منظومة اتخاذ القرار العسكري، حيث تم الدفع بالقوات إلى بيئة قتالية محفوفة بالمخاطر من دون توفير وسائل الحماية الكافية، سواء على مستوى التجهيزات الهندسية أو حتى الكثافة البشرية.
شهادات الضباط
هذه الخسائر المتراكمة باتت تترك أثرًا نفسيًا ومعنويًا بالغًا على الجنود في الميدان، إذ يجدون أنفسهم في مواجهة تهديدات متوقعة من دون أدوات فعلية للتصدي لها، الأمر الذي يزرع حالة من القلق وانعدام الثقة في القيادة العسكرية. شهادات الضباط التي نشرتها الصحافة العبرية تشير بوضوح إلى أن القوات تضطر لاستخدام وسائل بديلة غير مخصصة لمواجهة العبوات، مثل الطائرات المسيّرة الصغيرة، وهو ما يوحي بأن حياة الجنود أصبحت أقرب إلى “رهان” على الحظ أكثر من كونها نتاج خطط مدروسة. هذه الصورة تعزز الإحساس بالهشاشة وتضعف الروح القتالية، خاصة حين يرى الجنود زملاءهم يسقطون في حوادث يمكن تفاديها لو تم الالتزام بإجراءات مهنية أكثر صرامة.
التأثير المعنوي لا يقف عند حدود الميدان، بل يمتد إلى الجبهة الداخلية الإسرائيلية، حيث تثير مثل هذه الحوادث نقاشات داخلية حول جدوى استمرار العملية البرية في غزة، وما إذا كانت الخسائر البشرية تستحق المكاسب الميدانية المحدودة. الجدل المتصاعد داخل المؤسسة العسكرية والإعلام الإسرائيلي حول “انهيار البنية التنظيمية” يعكس حجم المأزق، إذ لم يعد الأمر مجرد خسائر فردية، بل بات يُنظر إليه كعلامة على تآكل قدرة الجيش على فرض سيطرته وفق المخططات المعلنة.
صراع على المعنويات
في السياق الأوسع، يمثل كل سقوط جديد في صفوف الضباط والجنود ضربة متراكمة لصورة الجيش الإسرائيلي الذي يسعى للحفاظ على صورة الردع. الفجوة بين الرواية الرسمية التي تحاول التخفيف من وقع الخسائر والحقائق التي تكشفها الصحافة تزيد من شعور الجنود بالخذلان، وهو ما يضاعف من أزمة الثقة ويجعل أي تقدم ميداني محفوفًا بقلق دائم من أن يكون الثمن أكبر مما تحتمله الجبهة الداخلية. بهذا المعنى، يمكن القول إن المعركة في غزة لم تعد عسكرية فحسب، بل تحولت إلى صراع على المعنويات، حيث يواجه جيش الاحتلال تحديًا داخليًا لا يقل خطورة عن التحدي الذي يفرضه الميدان.




