يشير اختبار الصين لصاروخ باليستي عابر للقارات أُطلق من غواصة نووية استراتيجية إلى مرحلة جديدة في سباق التنافس العسكري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إذ لم يعد الأمر مقتصراً على تطوير القدرات الدفاعية، بل امتد إلى استعراض وسائل الردع النووي بعيدة المدى في منطقة تُعد من أكثر الساحات حساسية للتنافس بين بكين وواشنطن وحلفائهما.
وأثار الاختبار موجة انتقادات من أستراليا والولايات المتحدة وعدد من دول جزر المحيط الهادئ، التي رأت فيه خطوة قد تقوض الاستقرار الإقليمي وتزيد من احتمالات التصعيد العسكري، في وقت تصفه الصين بأنه تدريب عسكري روتيني يتوافق مع القانون الدولي.
تطور قدرات الصين على تنفيذ ضربات نووية من البحر
وتكتسب هذه التجربة أهمية خاصة لأنها شملت إطلاق صاروخ من غواصة نووية، وهو ما يعكس تطوراً في قدرات الصين على تنفيذ ضربات نووية من البحر، بما يعزز ما يعرف بـ”الردع النووي الثاني” القائم على ضمان القدرة على الرد حتى في حال تعرض الأراضي الصينية لهجوم.
كما يأتي الاختبار في ظل تسارع برامج التحديث العسكري الصينية وتنامي المخاوف الغربية من اتساع الترسانة النووية لبكين، الأمر الذي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المنافسة الاستراتيجية في منطقة أصبحت تمثل مركز الثقل في الصراع على النفوذ العالمي.
قال رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز إن تجربة الأسلحة الصينية في المحيط الهادئ تُنذر بتأجيج انتشار نووي خطير، حيث أن الصاروخ الباليستي العابر للقارات الذي أُطلق يوم الاثنين قادر على إحداث “أضرار جسيمة” إذا تم استخدامه كسلاح.
إدانات ومخاوف من تجربة الصين
وتزايدت الإدانة الدولية بين عشية وضحاها بعد أن ذكرت وكالة أنباء شينخوا الصينية الرسمية يوم الاثنين أن “صاروخاً استراتيجياً يحمل رأساً حربياً وهمياً” قد تم إطلاقه من “غواصة نووية استراتيجية تابعة للبحرية”.
وقال الزعيم الأسترالي، خلال زيارة إلى جزر سليمان، إنه يشعر بالقلق من أن الاختبار الذي أجري هذا الأسبوع، في أعقاب تحالف معاهدة المحيط الهادئ الجديد ، قد يقوض السلام والاستقرار في المنطقة.
ماذا يعني اختبار الصين للصواريخ بعيدة المدى في جنوب المحيط الهادئ بالنسبة لأستراليا؟
وصف زعيم جزر سليمان، ماثيو ويل، الحادث بأنه “دليل إضافي على الحاجة” إلى ميثاق أمني إقليمي جديد في الوقت الذي تسعى فيه بكين إلى توسيع نفوذها عبر المحيط الهادئ. وقال ألبانيز إن أستراليا ستواصل التعبير عن مخاوفها الشديدة للصين بشأن أي خطوة من شأنها زعزعة استقرار المنطقة أو تقويض السلام “لا شك في أن هذا عمل استفزازي من جانب الصين من شأنه أن يزعزع استقرار المنطقة”.
وأضاف “ما نحتاجه هو تقليل الأسلحة النووية، وبالتأكيد ليس زيادتها.. جزء من المخاوف التي سنعبر عنها هو طبيعة السلاح الذي تم اختباره والذي يتمتع بقدرة واضحة على الوصول إلى مسافات بعيدة وإحداث أضرار جسيمة للغاية إذا تم استخدامه كسلاح.
تحدث ألبانيز بعد احتفالات عيد الاستقلال في هونيارا عاصمة جزر سليمان، وقبل استضافة ثلاثة من قادة دول المحيط الهادئ في بريسبان يوم الأربعاء. وقال والي إنه سجل “احتجاجاً شديداً” مباشرة إلى سفير الصين بصفته رئيساً لمنتدى جزر المحيط الهادئ.
وتابع “لا نريد أن نرى المزيد من الدول – الصين، أمريكا، أي دولة – تختبر صواريخها الباليستية العابرة للقارات في منطقة جزر المحيط الهادئ. هذا هو جوهر الأمر، كونوا أصدقاءنا ولكن لا تهددونا.”
الصين تدافع عن الاختبار الصاروخي
وقال مسؤولون في أستراليا والولايات المتحدة يوم الثلاثاء إن تجربة الصاروخ الصينية لم تمتثل للقانون الدولي وتم إجراؤها “بإخطار غير كافٍ” للدول المجاورة، وسط إدانة دولية متزايدة. حسب صحيفة الغارديان البريطانية.
لكن متحدثاً باسم الحكومة الصينية زعم أن الاختبار “آمن” وجزء من التدريب العسكري “الروتيني”، وطلب من المنتقدين “عدم المبالغة في تفسيره”. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينغ، وفقًا لترجمة تصريحاته المنشورة على موقع حكومي رسمي، إن إطلاق الصاروخ التجريبي “جزء روتيني من التدريب العسكري السنوي للصين، وفقًا للقانون والممارسة الدوليين، وليس موجهًا ضد أي دولة أو هدف محدد”.
وتم إخطار الدول المعنية مسبقاً، ويتوافق هذا الإجراء مع القانون والممارسات الدولية. وقد نُفذت عملية الإطلاق بأمان ومنهجية ومهنية تامة. ونأمل ألا تُسيء الدول المعنية تفسيرها.
الحكومة الأسترالية: حدث مزعزع للاستقرار
رد وزير الحكومة الأسترالية، بات كونروي، وزير الصناعات الدفاعية وشؤون جزر المحيط الهادئ، على سؤال في مقابلة إذاعية مع ABC حول بيان الصين بأن عملية الإطلاق تمتاشى مع القانون الدولي، وما إذا كان يعتقد أن ذلك ملخص صحيح للحادث، قال كونروي: “لا، ليس كذلك، لأكون صادقاً”.
وأضاف: “لقد كان هذا حدثاً مزعزعاً للاستقرار، وقد أثار بالتأكيد انتقادات من دول في المحيط الهادئ وآسيا. ثانياً، إنه لا يتوافق مع اتفاقية لاهاي بشأن تجارب الصواريخ الباليستية، والتي تتطلب إشعاراً مسبقاً ومعلومات أوسع للدول.. سنواصل دعوة الصين إلى الالتزام باتفاقية لاهاي، التي تقدم نوعاً من التعليمات أو الإرشادات حول كيفية إجراء هذه الأنواع من الاختبارات.
كما انتقد الصين لما وصفه بـ”عدم كفاية الإخطار” بالتجربة، مؤكداً أن الإخطار لم يصل إلا قبل ساعات من تأكيد الإطلاق. وقد أكد وزيرا الحكومة الأسترالية، بيني وونغ وريتشارد مارلز، علناً تحذيرات الصين قبل وقت قصير من الإطلاق.






