لم يعد ما يجري في الضفة الغربية، مجرد صراع موضعي على الأرض، بل سياسة ممنهجة لإعادة تشكيل الجغرافيا، إذ تشير التقارير الصادرة عن منظمات حقوقية إسرائيلية مثل بتسيلم وييش دين، إلى جانب تقارير كرم نابوت وسلام الآن، إلى تداخل واضح بين مؤسسات الدولة والمشروع الاستيطاني، سواء عبر توفير الحماية القانونية والأمنية للبؤر الاستيطانية، أو من خلال التغاضي شبه الكامل عن اعتداءات المستوطنين، التي نادرًا ما تُفضي إلى محاسبة جدية.
هذه السياسات تتزامن مع خطاب سياسي أكثر صراحة داخل حكومة بنيامين نتنياهو، حيث يدفع وزراء مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير باتجاه توسيع الاستيطان وطرح أفكار “تشجيع الهجرة” وضم الضفة الغربية، في ظل حرب مدمرة على غزة وما رافقها من دعوات علنية لإعادة ترتيب المشهد الفلسطيني ديمغرافيًا وسياسيًا.
خطط طرد الفلسطينيين
طرد الفلسطينيين من غزة فشل حتى اليوم. لكن تنفيذ خطط طرد الفلسطينيين من الضفة مستمر من خلال نهب إسرائيل الأراضي بطريقتين. الطريقة الأولى، رسمية، وتنفذ بواسطة مصادرة الأراضي. والطريقة الثانية ليست رسمية ولكن بدعم وتمويل الدولة، وينفذها مستوطنون بواسطة اعتداءات إرهابية على تجمعات فلسطينية ودفع سكانها إلى مغادرتها بالقوة.
عنف المستوطنين هو عنف الدولة، وينفذ بدعم كامل وبمشاركة مندوبيها وبمساعدتهم، كإستراتيجية لنظام الأبارتهايد الإسرائيلي الذي يسعى إلى استكمال السيطرة على الأراضي الفلسطينية. الدولة تسمح للمستوطنين بالبقاء في الأراضي التي نهبوها من الفلسطينيين بالعنف. وعشرات البؤر الاستيطانية والمزارع، وهي مستوطنات أقيمت بدون مصادقة الحكومة، تحصل على دعم السلطات الإسرائيلية ولا يتم إخلاؤها، حسب تقرير للمنظمة الحقوقية الإسرائيلية “بتسيلم”.
وأصدرت إسرائيل أوامر للجيش بالدفاع عن البؤر الاستيطانية أو تمويل حراستها، وشقت شوارع إليها وربطت معظمها بشبكتي المياه والكهرباء، ودعمتها بواسطة الوزارات ودائرة الاستيطان في الهستدروت الصهيونية العالمية والمجالس الإقليمية للمستوطنات في الضفة، ودعمت مشاريع اقتصادية، بضمنها منشآت زراعية ودعم مزارعين ورعي قطعان الماشية، ووفرت لها حماية قضائية ضد الالتماسات التي طالبت بإخلائهم”. حسب المنظمة.
أرقام قياسية جديدة لإرهاب المستوطنين
المستوطنون في البؤر الاستيطانية الرعوية كانوا يسيطرون حتى نيسان/أبريل من العام 2025 على 786 ألف دونم، التي تشكل 14% من مساحة الضفة الغربية، وأن هؤلاء المستوطنين استولوا على 70% من هذه المساحة منذ تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو الحالية، وطردوا سكان أكثر من 60 تجمعًا فلسطينيًا من بيوتهم وأراضيهم بواسطة اعتداءات إرهابية، ثم أعلنت إسرائيل عنها على أنها “مناطق إطلاق نار”، أي تدريبات عسكرية، يحظر دخول الفلسطينيين إليها. حسب تقرير صادر عن منظمة “كرم نابوت” وحركة “سلام الآن” الإسرائيليتين المناهضتين للاحتلال والاستيطان.
سجل إرهاب المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية أرقامًا قياسية جديدة منذ تشكيل حكومة نتنياهو الحالية، وفق تقرير منظمة “ييش دين” الإسرائيلية الحقوقية الصادر مطلع العام الحالي. وأفاد التقرير بأن 93.6% من ملفات التحقيق التي فتحتها الشرطة الإسرائيلية في أعقاب اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم بين السنوات 2005 – 2025، انتهت وأُغلقت بدون تقديم لائحة اتهام. وخلال هذه الفترة، 3% فقط من ملفات التحقيق هذه انتهت بإدانة كاملة أو جزئية لمستوطنين.
وأكدت المنظمة أن “هذا يدل على أن سياسة الإنفاذ الفاشلة ليست إخفاقًا، وإنما دليل على أن دولة إسرائيل تسمح بالعنف تجاه سكان غير محميين بشكل متعمد وموجّه، وأحيانًا بتعاون فعلي، لأن هذا العنف يخدم أهداف الدولة بتوسيع السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية بواسطة الإرهاب والعنف. والاستنتاج الذي يتعالى من المعطيات المذكورة هو أن دولة إسرائيل وسلطاتها لإنفاذ القانون في الضفة الغربية تتحمل مسؤولية مباشرة عن العنف الذي ينفذه إسرائيليون ضد فلسطينيين”.
إلغاء اتفاقيات أوسلو
نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب هما زعيما محور شرّ يضم زعماء آخرين لأنظمة متحالفة وتملك قوة عسكرية هائلة ولا يترددون في استخدامها وتشكل خطرًا على العالم كله وأمنه واستقراره. وهما يخدعان العالم بكلام معسول من أجل تحقيق أهداف محور الشر.
ضمن هذا الخداع وتشويه الواقع وتزوير الحقائق، “مجلس السلام” الذي شكله ترامب وعيّن نفسه رئيسًا له من خلال خطته لإنهاء مزعوم لحرب الإبادة على غزة المستمرة حتى اليوم، وضمّ إليه نتنياهو المطلوب للعدالة الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تشمل الإبادة بسبب حرب غزة.
في السياق المحلي، نتنياهو كرئيس لحكومة إسرائيل مسؤول عن الحرب والإبادة والمجاعة والقمع والاستيطان والتهجير والجريمة في المجتمع العربي في جميع مناطق فلسطين التاريخية. وهو مسؤول عن خطط يضعها ويعلن عنها وينفذها وزراؤه، وخاصة الوزيران بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير.
يطلق سموتريتش باستمرار تصريحات عدوانية ضد الفلسطينيين حول الاستيطان والتهجير. واعتبر خلال مؤتمر لحزب الصهيونية الدينية الذي يرأسه يوم الثلاثاء الماضي أن على الحكومة المقبلة “تشجيع هجرة” الفلسطينيين من الضفة الغربية وضمها إلى إسرائيل، وأن “لا حل آخر في المدى البعيد، ويجب القضاء على فكرة دولة الإرهاب العربية”. وأضاف أنه يتطلع إلى إلغاء اتفاقيات أوسلو، رغم أن إسرائيل، وخاصة حكومتها الحالية بسياستها وممارساتها، ألغت اتفاقيات أوسلو منذ سنين كثيرة.




