تسارع الحكومة المصرية خطواتها الميدانية لإعادة رسم السياسات المائية والزراعية للبلاد، في خطوة تعكس تحولاً إستراتيجياً تدريجياً من الرهان الكامل على مسار المفاوضات السياسية المتعثرة بشأن سد النهضة الإثيوبي، إلى التكيف العملي مع واقع الندرة المائية واحتمالات الجفاف الممتد. وتتنوع التحركات الراهنة على الأرض بين إعادة هيكلة الخريطة المحصولية، والاعتماد على نظم الري الحديثة، وضخ استثمارات ضخمة لتنويع مصادر المياه عبر معالجة مياه الصرف الزراعي وتحلية مياه البحر، لرفع كفاءة استخدام حصة مصر الثابتة من نهر النيل والبالغة 55.5 مليار متر مكعب.
ثورة في الخريطة الزراعية: من التوسع الأفقي إلى تعظيم “وحدة المياه”
تستهلك الزراعة ما يزيد على ثلاثة أرباع الموارد المائية في مصر، ما جعلها ساحة الاختبار الأكثر حساسية لإستراتيجية التكيف الجديدة، والتي تقوم على فلسفة تعظيم إنتاجية كل متر مكعب من المياه عوضاً عن التوسع غير المحسوب في الاستهلاك:
الدخن محصولاً إستراتيجياً مكملاً: حظي نبات “الدخن” باهتمام مكثف من وزارتي الزراعة والري عقب اجتماعات موسعة مع شركات هندية؛ نظراً لقدرته العالية على تحمل الجفاف والحرارة المرتفعة، والنمو في الأراضي الرملية والملحية بجنوب الصعيد، والوادي الجديد، وسيناء، وتوشكى، ليكون محصولاً مكملاً يوسع قاعدة الخيارات الرعوية والغذائية دون الإخلال بالمحاصيل الرئيسية كالقمح.
تنويع البدائل الجافة: تشمل الخطط إدخال وتوسيع زراعة محاصيل أخرى مرتفعة الكفاءة في استخدام المياه مثل السورجم (الذرة الرفيعة) المتحملة للحرارة، والشعير للأراضي الجديدة والساحلية، ونبات الكينوا القادر على النمو في التربة الملحية.
إعادة صياغة “التركيب المحصولي”: أكد خبراء بوزارة الزراعة أن المنظومة تعتمد على إعادة توزيع المحاصيل مكانياً وزمانياً، واستنباط أصناف مبكرة النضج، والحد من الري بالغمر لصالح الري الحديث الذكي مناخياً، بجانب تحجيم مساحات المحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه كالأرز عبر أطر تشريعية حازمة.
محاكاة الجفاف الممتد وتعديل آليات تشغيل السد العالي

رغم أن مصر استفادت هيدرولوجياً من عدم تزامن سنوات ملء سد النهضة السبع مع موجات جفاف حادة في حوض النيل الأزرق، إلا أن أجهزة الدولة وضعت سيناريوهات تحسباً لتغير هذا الوضع:
مناورات السحب والتمرير: كشفت مصادر مسؤولة بوزارة الموارد المائية والري عن إجراء تدريبات ومحاكاة مستمرة لإدارة المنظومة في ظروف الجفاف الممتد. واضطرت الوزارة بالفعل خلال سنوات الملء الإثيوبي غير المنسق إلى تعديل تشغيل السد العالي بأسوان مراراً، عبر تمرير كميات إضافية للحفاظ على منسوب بحيرة ناصر الآمن تارة، أو السحب من المخزون الإستراتيجي لتعويض النقص تارة أخرى.
صمام الأمان الرئيسي: يجمع المتخصصون على أن السد العالي يظل خط الدفاع الأول لتعويض أي انخفاض مؤقت في الإيراد المائي، مشيرين إلى أن خطر سد النهضة الحقيقي لا يكمن في بنائه الهندسي بل في احتمال تزامن تشغيله مستقبلاً مع دورات جفاف طبيعية متتالية.
تحلية مياه البحر.. الرهان الإستراتيجي الأعلى كلفة
يمثل التوسع في تحلية مياه البحر المحور الإستراتيجي الثاني لتقليل الهشاشة المائية وتخفيف الضغط على نهر النيل، وتأمين متطلبات الزيادة السكانية والتوسع العمراني في المدن الساحلية:
الاستثمارات الضخمة: ضخت الدولة استثمارات تجاوزت 500 مليار جنيه (نحو 10 مليارات دولار) في مشروعات معالجة مياه الصرف الزراعي وإعادة الاستخدام والتحلية.
مستهدفات عام 2050: تبين المؤشرات الرسمية أن مصر تمتلك حالياً 129 محطة تحلية قائمة بطاقة إنتاجية تصل إلى 1.4 مليون متر مكعب يومياً، يضاف إليها 19 محطة جديدة قيد التنفيذ بطاقة 687 ألف متر مكعب يومياً، ليصل إجمالي المحطات إلى 148 محطة، ضمن خطة إستراتيجية ممتدة حتى عام 2050 تستهدف الوصول بالطاقة الإنتاجية الإجمالية للتحلية إلى قرابة مليوني متر مكعب يومياً بالتعاون مع شركات عالمية.
تؤكد الدوائر الدبلوماسية المصرية أن القاهرة لا تزال متمسكة بضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم ملء وتشغيل سد النهضة ويضمن تبادل المعلومات، وتترقب مساعٍ أمريكية دؤوبة لإحياء هذا المسار؛ إلا أن واقع المشروعات على الأرض يبرهن على أن صانع القرار المصري لم يعد يربط أمن البلاد المائي برهانات السياسة، بل يمضي بالتوازي في بناء شبكة أمان داخلية قادرة على الصمود أمام أقسى السيناريوهات المناخية والإقليمية.






