يشكّل طريق الشيخ محمد بن زايد بين المخا وتعز أحد أبرز المشاريع التنموية التي شهدها اليمن خلال السنوات الأخيرة، ليس فقط من حيث حجمه الهندسي أو كلفته التنفيذية، بل بما يحمله من رمزية إنسانية ووطنية في مسيرة بلد أنهكته الحرب والحصار والانقسام. فبعد ما يقرب من عقدٍ كامل عاشته مدينة تعز معزولة خلف خطوط النار والجبال، جاء هذا الطريق ليعيد إليها نبض الحياة، ويفتح أمام سكانها نافذة أمل طال انتظارها.
شريان اقتصادي واستراتيجي
منذ اندلاع الصراع، تحولت تعز إلى واحدة من أكثر المدن اليمنية معاناة، حيث أطبق الحوثيون الحصار على مداخلها، فانعزلت عن الساحل وعن بقية المحافظات، وتعذّر وصول الغذاء والدواء والوقود، وارتفعت كلفة المعيشة إلى مستويات غير مسبوقة. كانت الطرق الجبلية البديلة، التي يسلكها السكان اضطرارًا، ممرات خطرة تبتلع المركبات وتُزهق الأرواح. لذلك فإن افتتاح طريق الشيخ محمد بن زايد في أكتوبر 2022 لم يكن مجرد حدث إنشائي، بل تحوّل إلى لحظة إنسانية فارقة، أعادت وصل ما انقطع بين المدينة ومحيطها.
أهمية الطريق تتجاوز الجانب الخدمي، إذ يُعد اليوم شريانًا اقتصاديًا واستراتيجيًا يعيد رسم الجغرافيا التنموية في اليمن الغربي. فقد مكّن من ربط ميناء ومطار المخا بمدينة تعز، ما أعاد الحياة إلى النشاط التجاري والصناعي في المنطقة. آلاف الشاحنات تعبر الطريق يوميًا حاملة البضائع والوقود والمواد الغذائية، ما ساهم في خفض تكاليف النقل، وتنشيط الأسواق المحلية، وتسهيل حركة السلع بين الساحل والجبل. كما مكّن عشرات الآلاف من المواطنين من التنقل بأمان بعد سنوات من المعاناة والخوف.
الأبعاد الإنسانية والسياسية
من الناحية الهندسية، يمثل الطريق نموذجًا في التصميم والبناء وفق معايير عالمية، بشهادة المهندسين القائمين عليه. فهو يمتد بطول 81 كيلومترًا، بعرض 19 مترًا، ويضم حارتين وجزيرة وسطية مزروعة بالأشجار، إضافة إلى جسور رئيسية وقنوات لتصريف مياه السيول. هذه المواصفات تجعل منه طريقًا استراتيجيًا قادرًا على خدمة الأجيال القادمة لعقود طويلة، وتعزز الربط بين الموانئ والمناطق الزراعية والتجارية في تعز والساحل الغربي.
لكن القيمة الأعمق للطريق تكمن في رمزيته الإنسانية والسياسية. فالمشروع يجسّد حضور دولة الإمارات العربية المتحدة كفاعل إنساني وتنموي فاعل في اليمن، حيث قدّمت نموذجًا عمليًا لمفهوم “التنمية من أجل السلام”. فبينما انشغل أطراف الصراع في ترسيم خطوط السيطرة، جاءت الإمارات لتشق طريقًا يربط الناس ويكسر العزلة، مؤكدة أن إعادة بناء اليمن لا تبدأ من المفاوضات فحسب، بل من تعبيد طرق الحياة اليومية.
تحول نوعي في مسار اليمن
على الصعيد الاجتماعي، ساهم الطريق في إعادة تماسك المجتمعات المحلية، وخلق فرص عمل لآلاف اليمنيين، سواء أثناء الإنشاء أو بعده من خلال الأنشطة التجارية والخدمية التي نشأت على جانبيه. كما أعاد الثقة في إمكانية عودة الحياة الطبيعية، وولّد شعورًا جماعيًا بأن الحصار يمكن أن يُكسر بالعزيمة والعمل، لا بالانتظار والشكوى.
ولذلك يمكن القول إن طريق الشيخ محمد بن زايد لا يختصر في كونه مشروع بنية تحتية، بل هو رمز لتحوّل نوعي في مسار اليمن نحو التعافي. إنه طريق يعبر الجبال والوديان، لكنه في جوهره يعبر أيضًا جدار الخوف واليأس الذي سيطر على المدينة طيلة سنوات الحرب. إنه نموذج لما يمكن أن تفعله مشاريع التنمية حين تُدار برؤية إنسانية تستهدف إعادة بناء الثقة بالحياة، قبل إعادة بناء الحجر.
في بلد يئن تحت وطأة الحرب، يمثل هذا الطريق نقطة ضوء في عتمة طويلة، ودليلًا على أن المستقبل يمكن أن يبدأ من شقّ طريق واحد يصل بين الناس، ويعيد إليهم شعور الانتماء إلى وطنٍ ما زال قادرًا على النهوض.






