أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأربعاء، الموافقة على اتفاقية وُصفت بـ«التاريخية» لتصدير الغاز الطبيعي إلى مصر من الحقول البحرية الإسرائيلية، في خطوة اعتبرها «أكبر صفقة تصدير في تاريخ إسرائيل»، من حيث القيمة والعوائد المتوقعة.
وبحسب المعطيات المعلنة، تبلغ قيمة الصفقة نحو 112 مليار شيكل، أي ما يعادل قرابة 34.7 مليار دولار، وستتولى بموجبها شركة «شيفرون» الأميركية العملاقة للطاقة، إلى جانب شركائها الإسرائيليين، تزويد مصر بالغاز الطبيعي من حقل «ليفياثان» في شرق البحر المتوسط. وقال نتنياهو إن نحو 58 مليار شيكل من قيمة الصفقة ستتدفق مباشرة إلى خزينة الدولة الإسرائيلية على شكل ضرائب وإيرادات.
ورغم تقديم الاتفاق بوصفه إنجازاً اقتصادياً غير مسبوق، أثار الإعلان موجة من الانتقادات داخل إسرائيل، إذ حذّر خبراء ومعارضون من أن تصدير كميات كبيرة من مورد طبيعي محدود قد يضع البلاد مستقبلاً أمام تحديات تتعلق بأمن الطاقة، أو يجعلها أكثر عرضة لارتفاع أسعار الكهرباء، لا سيما في حال عدم اكتشاف حقول غاز جديدة خلال السنوات المقبلة.
صفقة تتجاوز البعد الاقتصادي
وتشير قراءات إعلامية متعددة إلى أن الاتفاق لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية واضحة. فإلى جانب تعميق التعاون مع القاهرة، يسعى الاتفاق إلى ترسيخ موقع إسرائيل كمورّد إقليمي رئيسي للطاقة، وتعزيز اعتماد دول الجوار على الغاز الإسرائيلي.
كما ترى تقارير عربية أن توقيت الموافقة على الصفقة يبعث برسالة سياسية داخلية، مفادها أن نتنياهو لا يزال قادراً على نسج علاقات إقليمية فاعلة، رغم الانتقادات الواسعة التي يواجهها بسبب الحروب التي أشرف عليها والعزلة السياسية المتزايدة التي تتهمه بها أطراف داخلية وخارجية.
وفي هذا السياق، وصف الرئيس التنفيذي لشركة «نيوميد إنرجي»، يوسي أبو، الصفقة بأنها «منجم ذهب» للاقتصاد الإسرائيلي، فيما أكد وزير الطاقة الإسرائيلي أنها الأكبر في تاريخ البلاد. ووفق الاتفاق، ستدفع مصر نحو 35 مليار دولار على مدى 14 عاماً مقابل الغاز المستورد.
ماذا تكسب مصر؟
من الجانب المصري، تشير التقديرات إلى أن الصفقة قد تخدم مصالح القاهرة، التي تواجه ضغوطاً اقتصادية متزايدة. إذ تتيح لها تأمين كميات كبيرة من الغاز الطبيعي بأسعار أقل من الغاز الطبيعي المسال المستورد، ما يخفف كلفة إنتاج الكهرباء والطاقة الصناعية.
كما تستفيد مصر من امتلاكها بنية تحتية متقدمة لتسييل الغاز وإعادة تصديره إلى أوروبا وآسيا، وهو ما يعزز موقعها كمركز إقليمي لتجارة الغاز في شرق المتوسط.
جدل حول الأسعار
وعلى الرغم من تداول مزاعم عن حصول مصر على أسعار تفضيلية خلال فترة تجميد الموافقات، فإن المعلومات المتاحة لا تؤكد ذلك. ونقلت شبكة CNN عن مصدر مطلع على تفاصيل الصفقة أن العقود الموقعة بين الشركات الإسرائيلية وموردي الغاز إلى مصر تتضمن أسعاراً ثابتة، من دون أي تخفيضات مقارنة بالاتفاقات السابقة.
خلفية وتأخيرات
وتعود أولى التقارير عن الصفقة إلى 7 أغسطس، حين ذكرت صحيفة «معاريف» العبرية أن «نيوميد إنرجي» وقّعت عقداً جديداً لتوسيع صادرات الغاز إلى مصر، استكمالاً لاتفاق 2019 الذي نص على تصدير 60 مليار متر مكعب من الغاز.
غير أن الموافقة الرسمية تأخرت لأكثر من أربعة أشهر، وسط تقارير تحدثت عن احتمال لجوء القاهرة إلى قطر لسد فجوات الإمداد، بالتوازي مع تأكيد وزارة البترول المصرية تمسكها بسياسة تنويع الشركاء. لاحقاً، تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن «تحول» في موقف نتنياهو، وإعطائه الضوء الأخضر لاستئناف التفاهمات مع القاهرة.
وبموجب الصفقة الجديدة، سيبيع الشركاء نحو 130 مليار متر مكعب من الغاز لمصر حتى عام 2040، مقابل ما يقارب 35 مليار دولار.
أطراف الاتفاق
وتتوزع حقوق التشغيل في حقل «ليفياثان» بين:
-
شيفرون (عبر استحواذها على نوبل إنرجي): 39.66%
-
نيوميد إنرجي: 45.33%
-
شركاء آخرون: 15%
وبحسب صحيفة «إسرائيل هيوم»، فإن شركة «بلو أوشن إنرجي» المصرية هي الجهة المشترية، ما يضيف الاتفاق إلى سلسلة من صفقات الغاز بين الجانبين خلال السنوات الخمس الماضية.
لماذا تعثرت الصفقة؟
أرجعت تقارير، بينها تقرير لصحيفة «فايننشال تايمز»، تأخير الموافقة إلى رغبة وزير الطاقة الإسرائيلي في تحسين الشروط التجارية للسوق المحلية. كما طُرحت سيناريوهات أخرى، من بينها مزاعم عن انتهاكات للملحق الأمني لمعاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية، وهي اتهامات نفتها القاهرة آنذاك.
وفي سياق متصل، ألغى وزير الطاقة الأميركي كريس رايت زيارة إلى تل أبيب، بعد تعثر المفاوضات، في خطوة عكست توتراً بين واشنطن وتل أبيب حول عدد من الملفات الاستراتيجية، وفق تقارير إسرائيلية.
مخاوف داخلية وضغط أميركي
ويرى محللون أن جزءاً من التأخير يعود إلى مخاوف داخل الحكومة الإسرائيلية من استنزاف الموارد البحرية وارتفاع أسعار الكهرباء مستقبلاً. كما أشار خبراء إلى أن العائق الحقيقي أمام زيادة الصادرات لا يكمن في العقود، بل في سعة خطوط الأنابيب بين إسرائيل ومصر، التي تُقدَّر حالياً بنحو 10 مليارات متر مكعب سنوياً.
في المقابل، ساهم وجود شركة «شيفرون» الأميركية كمشغّل رئيسي للحقول في زيادة الضغط الأميركي لإتمام الصفقة. ونقلت CNN عن مصادر إسرائيلية أن حكومة نتنياهو رضخت في النهاية لضغوط من البيت الأبيض، في إطار مساعٍ أميركية أوسع لترتيب تفاهمات إقليمية، وربما تمهيداً لاجتماع محتمل بين نتنياهو والرئيس المصري، بدعم مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب.






